طلب فتوى
الإجارةالفتاوىالمعاملات

قسمةِ التجارات على عددِ الرؤوسِ دونَ معرفةِ الأجرة ولا النفقات معاوضةٌ بمجهول

هل يستحق الابن أجرة المثل في عمله مع والده؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (4725)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

أنا تاجرٌ منذ فترة طويلة، ولما كبر أبنائي سلّمت لهم جميع تجاراتي؛ ليتولوا الإشراف عليها ومتابعتها، ولم يدفع أحدٌ منهم شيئًا من رأس المال، ولا يوجدُ اتفاقٌ بيننا، فماذا يستحق كل واحدٍ منهم؟ وهل يحق لي أن أخصم ما أنفقته على أبنائي مما يستحقونه؟ وهل يجوز لي قسمة التجارة بيني وبين أبنائي العاملين على عدد الرؤوسِ، دون محاسبةٍ وتفصيلٍ؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإنّ عمل الأبناء مع أبيهم وسعايتهم في تجارتهِ، يستحقون عليه أجرةَ المثل، ما دام أنه لا اتفاقَ بينهم، والربح ورأس المال بأكمله للأب؛ لأن القاعدة أنّ الربح لرأس المال، والخسارة عليه، قال ميارة رحمه الله: “قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: مَنْ عَلَيْهِ التَّوَى فَلَهُ النَّمَا، وَالتَّوَى بِالْمُثَنَّاةِ وَالْقَصْرِ أَيْ ضَمَانُ الشَّيْءِ إِذَا هَلَكَ، وَالنَّمَا الزِّيَادَةُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْغَلَّةُ”[الإتقان والإحكام: 2/258]، ووجبت أجرة المثل بالنقد للولد؛ لأنه الأصل، قال الرباطي رحمه الله: “الْأَصْلُ فِيمَن عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلاً لاَ يَلْزَمُهُ وَأَوْصَلَ لَهُ نَفْعاً أَن يُقْضَى لَهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ عَيْناً؛ لِكَوْنِ الْعَيْنِ أَصْلَ مَا يَتَعَامَلُ بِهِ النَّاسُ بَيْعاً وَإِجَارَةً” [شرح الرباطي على نظم العمل الفاسي: 240].

وأجرة المثل ينبغي في الوقت الحاضر أن تقدر في مثل هذه الحالات على النحو الآتي فلو كان أحد الأبناء مثلا يعقد الصفقات ويقوم بالبيع والشراء كل يوم في المحلات، فتقدر له أجرة على ذلك تساوي ما لو قام بهذا العمل أجنبي أعطيت له حصة من الربح، فأجرة المثل تقدر بذلك لمن قام بالعمل من الأبناء، وبعد معرفة أجرة المثل على نحو ما سبق وبيان مقدارها لكل الأطراف يجوز لهم أن يتصالحوا على ما ينوب كل واحد منهم حسبما يتفقون عليه؛ لأن الصلح جائز بين المسلمين، فالقسمة على الرؤوس لا تجوز إلا بعد معرفة الحصص.

وأما احتسابُ ما أنفقه الأب على الأبناء طيلةَ الفترة الماضية، فيتعلقُ الحكم فيه بغرضِ الأب ومقصودِه، فإنْ قصدَ بالإنفاقِ الصلةَ والمعروفَ لأبنائه، فلا تحتسبُ عليهم، ولا تخصمُ من أجرتهم، وإن أنفق ونوى ابتداء أن يرجع به فله ذلك، قال التسولي رحمه الله: “وَكَذَا ‌الْوَلَد ‌يقوم ‌مَعَ أَبِيه سِنِين بعد بُلُوغه إِلَى أَن زوَّجه، وَكَانَ فِي هَذِه الْمدَّة يتَوَلَّى الْحَرْث والحصاد وخدمة الْأَمْلَاك بِنَفسِهِ، ثمَّ افترق مِنْهُ وَأَرَادَ مقاسمته فِي الْأَمْلَاك فَلَيْسَ لَهُ شَيْء فِيهَا، وَإِنَّمَا لَهُ أجر عمله ويحاسبه أَبوهُ بِنَفَقَتِهِ وَكسوته وَبِمَا زوَّجه” [البهجة:2/352].

عليه؛ فالواجبُ على الأب -إن كان قاصدًا الرجوعَ بالنفقات- معرفةُ قدرِ الدَّين الذي أنفقه عليهم ليخصمه من الأجرة الواجبة لهم، فإن كانت النفقاتُ مساويةً للأجرةِ، فلا رجوع لأحدهما على الآخر، وإن كانت النفقاتُ أكثر من الأجرةِ، رجع الأب على الأبناء بالزائدِ، وإن كانت أقلَّ، كمّل الأب لهم الدَّين الذي عليه –الذي هو باقي الأجرة- وأمّا إن كان قاصدًا بالنفقاتِ الصلةَ والمعروفَ، فلا يرجعُ الأب على الأبناء بشيءٍ، ويستحقونَ أجرةَ المثل مقابلَ عملهم، ولا يجوزُ التصالح بقسمةِ التجارات على عددِ الرؤوسِ دونَ معرفةِ الأجرة ولا النفقات؛ لأنها معاوضةٌ بمجهول، قال التسولي رحمه الله: “إِذَا لَمْ يَعرِفَا مَعاً أَو أَحَدُهمَا قدْرَ الدّينِ لَمْ يَجُزْ [أي إسقاط الدين في نظير شيء معين]… لِأَنَّهُ مبايعةٌ فَلَا يَجُوزُ مَعَ جَهْلِ الْعِوَضَيْنِ أَو أَحَدِهمَا” [البهجة2/249]، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

حسن بن سالم الشريف

أحمد بن ميلاد قدور

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

22//ربيع الآخر//1443هـ

28//11//2021م

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق