طلب فتوى
الفتاوىالمعاملاتالمغارسة

هل تجوز المغارسة في أرض الوقف؟

هل تمضي المغارسة الفاسدة؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (4469)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

قام أبي وعمي بالاتفاق مع وكيل الوقف بعقد مغارسة، ينص على غرس عشر شجرات من النخل، وشجرتين من الكرم، خلال مدة ثماني سنوات، وبعدها تقسم الأرض نصفين؛ نصفاً للوقف، ونصفاً للمغارس، فهل هذا العقد صحيح؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإن المغارسة مع الوقف مما اختلف فيه أهل العلم، وقد جرى العمل في المذهب بجواز المغارسة في أرض الوقف، قال الونشريسي رحمه الله: “وَسُئِلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ عَنْ حُكْمِ مَنْ أَعْطَى أَرْضًا مُحَبَّسَةً عَلَى وَجْهِ الْمُغَارَسَةِ، فَأَجَابَ: بِأَنَّهَا تَمْضِي، وَلاَ يَنْقُضُهَا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِنَ الْحُكَّامِ”[المعيارالمعرب:436/7]. ومن شروط صحة المغارسة أن يكون عمل الغارس محدَّدًا بأجلٍ، يكون إلى الإثمار أو قبله لا بعده، قال القرافي رحمه الله: “قَالَ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَلَا تَكُونُ الْمُغَارَسَةُ فِيمَا يُزْرَعُ سَنَةً بَلْ فِي الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ، وَتَمْتَنِعُ إِلَى أَجَلٍ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْجُعْلِ ‌بَلْ ‌لِلْإِثْمَارِ أَوْ قَبْلَهُ” [الذخيرة:142/6].

عليه؛ فإن هذه المسألة من صور المغارسة الفاسدة؛ لتحديدها بأجل بعد الإثمار، فالغالب في النخل وما ذكر معه أن يثمر بعد ثلاث أو أربع سنين، كما ذكر أهل الخبرة، فإذا اطُّلِع على فسادها قبل البدء في العمل، وَجبَ فسخها، فترد الأرض إلى صاحبها، ولا شيء للعامل؛ لأنه لم يعمل شيئًا، وإن لم يطلع عليها إلا بعد الغرس والعمل، وكانت مع فسادها قد جعل فيها للعامل جزءٌ في الأرض والشجر، بأن حددت بأجل إلى ما بعد إثمار الشجر، فإنها تُخَرَّج على الشراء الفاسد الذي فُوِّت بالغرس، قال التسولي رحمه الله: “السَّابِع: فِي الْمُغَارَسَةِ الْفَاسِدَةِ… ثَلَاثَة أَقْوَال لِابْنِ الْقَاسِم، أَحدهَا: أَنَّهَا تمْضِي لِأَنَّهَا بيع فَاسِدٌ فَاتَت بِالْفَرَاغِ وَبُلُوغِ الْإِطْعَامِ، وَيَكُونُ عَلَى الْعَامِلِ نِصْفُ قِيمَةِ الأَرْضِ يَوْمَ قَبْضِهَا بَرَاحاً، وَلهُ عَلَى رَبِّ الأَرْضِ قيمَةُ عَمَلِه وغِرَاسهِ فِي النِّصْفِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ إِلَى أَنْ بَلَغَ وَلهُ أجْرَتُه فِيهِ أَيْضاً مِنْ يَوْمئِذٍ إِلَى يَوْم الحُكْمِ… وَبِهَذَا القَوْل صدَّر ابْنُ يُونُسَ قَائِلاً: وَاسْتَحْسنهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَبِه قَالَ مُطَرِّف وَأصْبَغ، وَاسْتَحْسنهُ عِيسَى أَيْضاً مِثْلُ ابْن حَبِيبٍ، وَرجَع إِلَيْهِ ابْن الْقَاسِم وَثَبت عَلَيْهِ…”[البهجة:2/329]، وهذا إذا كان الغرس المذكور يتناسب مع قطعة الأرض التي وقع عليها العقد، أما إن كان الغرس في جزء منها فقط، وباقي الأرض خالية، فلا يقسم إلا القدر المغروس منها، وباقيها كله ملك للوقف، لا تدخله القسمة، قال عليش رحمه الله: “اعْلَمْ أَنَّ الْأَرْضَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، الْأَوَّلُ: الْمَوْضِعُ الْمَغْرُوسُ فِيهِ الشَّجَرُ وَدُخُولُهُ فِيهَا شَرْطُ صِحَّةٍ. الثَّانِي: الْأَرْضُ الَّتِي بَيْنَ الشَّجَرِ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، فَلِلْعَامِلِ جُزْؤُهُ مِنْهُ مَعَ بَقَاءِ الشَّجَرِ وَبَعْدَ فِنَائِهِ إلَّا إذَا اسْتَثْنَاهَا رَبُّهَا حِينَ الْعَقْدِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ شَيْئًا مِنْهَا. الثَّالِثُ: الْأَرْضُ الْبَعِيدَةُ عَنْ الْغَرْسِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ شَيْئًا مِنْهَا أَيْضًا. وَإِنْ لَمْ يَسْتَثْنِهَا رَبُّهَا”[منح الجليل:7/419]، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

عبد الرَّحمن حسين قدوع

عبد الدائم سليم الشوماني

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

07//رمضان//1442هـ

19//04//2021م

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق