طلب فتوى
التبرعاتالفتاوىالمعاملاتالوقف

هل يجوز لناظر الوقف صرف الفائض من ريعه على غيره؟

هل يصرف الوفر في الأوقاف في وجوه البر؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (4258)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

أوقف والدي عددًا من العقارات، يصرف ريعها على تحفيظ القرآن الكريم في المسجد الذي بناه، وإن فضل شيء يصرف على المسجد الذي بناه الواقف، وهناك معهد يعلم العلوم الشرعية، ومن ضمن مقرراته مادة حفظ القرآن الكريم، والطالب فيه يكون أكمل حفظ القرآن كاملا، وامتحن فيه عند تخرجه، فهل يجوز للناظر صرف ريع الوقف المذكور على طلاب هذا المعهد، باعتبارهم يحفظون القرآن ضمن دراستهم بالمعهد بصورة إلزامية، ويتعلمون معه العلوم الشرعية؟ علما أن المسجد المحبس عليه مكتفٍ، تصرف عليه الدولة في التحفيظ والإمامة، فهي متكفلة بمرتبات القائمين عليه، وسائر شؤونه، وهو غير محتاج إلى مال الواقف.

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإن كان الحال كما ذكر، فيجوز للناظر صرف ريع الوقف المذكور، الفائض على حاجة التحفيظ والمسجد، على المعهد المشار إليه أو على طلابه؛ لأن ما كان لله فلا بأس أن يستعان ببعضه في بعض، ولأن ذلك يحقق مقصد الواقف، في خدمة الشريعة وأهل القرآن، قال الشيخ ميارة رحمه الله: “لِلْقَصْدِ جَازَ فِعْلُ مَا لَوْ حَضَرَا *** وَاقِفُهُ رَآهُ أَيْضاً نَظَرَا”، ونقل عن الإمام العبدوسي رحمه الله ما حاصله: “يَجُوزُ أَن يُفْعَلَ فِي الْحُبُسِ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ، مِمَّا يَغْلُبُ الظَّنُّ حَتَّى يَكَاد أَن يُقْطَعَ بِهِ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُحَبِّسُ حَيّاً وَعُرِضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لَرَضِيَهُ وَاسْتَحْسَنَهُ” [تكميل المنهج ومعه الروض المبهج: 129]، وسئل القاضي أبو عثمان العقباني عن مسجد له أوقاف، وفي الأوقاف وفر، فهل يصرف الوفر في وجوه البر كالتدريس؟ فأجاب: “وَأَمَّا إِن كَانَ الْوَقْفُ مِنْ غَيْرِ الْمُلُوكِ وَكَانَتْ لَهُ غَلَّةٌ وَاسِعَةٌ يَفْضُلُ مِنْهَا كَثِيرٌ، حَتَّى يُؤْمَنَ احْتِيَاجُ الْمَسْجِدِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مَا كَانَ إِلَيْهَا، فَفِي الْمَذْهِبِ خِلَافٌ فِي اسْتِنْفَاذِ الزَّائِدِ فِي غَيْرِ مَا سَمَّاهُ الْمُحَبِّسُ… فَلِأَصْبَغَ وَابْنِ الْمَاجِشُون أَنَّ مَا يُقْصَدُ بِهِ وَجْهَ اللهِ يَجُوزُ أَن يَنْتَفِعَ بِبَعْضِهِ فِي بَعْضٍ، وَفِي الْوَاضِحَةِ لاِبْنِ حَبِيبٍ قَالَ أَصْبَغْ: سَمِعْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ الْمَقْبَرَةَ عَفَتْ فَبَنَى قَوْمٌ عَلَيْهَا مَسْجِداً لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْساً، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ لِلهِ فَلَا بَأْسَ أَن يُسْتَعَانَ بِبَعْضِهِ فِي بَعْضٍ، فَهَذَا مِنِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُون وَأَصْبَغ، وَهْوَ أَرْجَحُ عِندَنَا وَأَظْهَرُ فِي النَّظَرِ؛ لِأَنَّ اسْتِنفَاذَ الْوَفْرِ فِي سُبُلِ الْخَيْرَاتِ أَنفَعُ لِلْمُحَبّسِ وَأَنْمَى لِأَجْرِهِ … وَهَذَا كُلُّهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَوْجِيهِ الْفِقْهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَفِي هَذَا الزَّمَانِ مَا يُوجِبُ الْمَسَارَعَةَ إِلَى اسْتِنفَاذِ الْأَوْفَارِ فِي سُبُلِ الْخَيْرِ، فَإِنَّ فِي بَقَائِهَا مَوْقُوفَةً تَعْرِيضاً لَهَا لِلتَّلَفِ، فَلَقَدْ شَاهَدتّ غَيْرَ مَرَّةٍ أَيْدِي أَهْلِ الْعَدَاءِ وَالظُّلْمِ الَّذِينَ لَهُمُ اسْتِطَالَةٌ تَمْتَدُّ فِي أَوْفَارِ الْأَحْبَاسِ وَتَصْرِيفِهَا فِي وُجُوهٍ فَاسِدَةٍ، فَلَوْ سُورِعَ بِهَا إِلَى وُجُوهِ الْبِرِّ مَا وَجَدُوا إِلَيْهَا سَبِيلاً” [المعيار المعرب: 7/239]، والله أعلم.

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

أحمد ميلاد قدور

عبد الرحمن بن حسين قدوع

 

الصّادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

01//ربيع الأول//1442هـ

20//10//2020م

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق