طلب فتوى
الأسرةالأقضية والشهاداتالطلاقالفتاوى

هل يمضي حكم التفريق بين زوجين مسلمين من محكمة غير مسلمة؟

التحاكم إلى غير المسلمين في القضاء

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (3905)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

تزوجتُ بليبيةٍ سافرتْ معي إلى بريطانيا للدراسة، وعندما أنهيتُ دراستِي رجعُت إلى أرضِ الوطنِ، ولم ترجعْ زوجتي معي وبقيتْ هناك، وبعد ذلكَ علمتُ أنّها تحصّلت على حكمٍ من محكمةِ الأسرة البريطانية بالتفريقِ بيني وبينَها، فهل يعتدُّ بهذا الحكم وتعدُّ أجنبيةً عنّي، أم لا؟

الجواب:

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أمّا بعد:

فإن تحاكم المسلمين عند تنازعهم قد حدده الله سبحانه بالردّ إلى الله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59]، ونهى وحذّر من سلوك سبيل المنافقين، الذين يرغبون عن حكم الشرع إلى غيره، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِنْ يَّكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَّحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَّقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: 48-51]، قال القرطبي رحمه الله: “قَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ اسْمُهُ بِشْرٌ، كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ، فَدَعَاهُ الْيَهُودِيُّ إِلَى التَّحَاكُمِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ الْمُنَافِقُ مُبْطِلًا، فَأَبَى مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَحِيفُ عَلَيْنَا، فَلْنُحَكِّمْ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِيهِ… وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ إِجَابَةِ الدَّاعِي إِلَى الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَمَّ مَنْ دُعِيَ إِلَى رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ بِأَقْبَحِ الذَّمِّ” [الجامع لأحكام القرآن: 12/293-294]. ومن حق المرأة إذا لم ترغبِ المقامَ مع زوجها طلب الافتداء من زوجها بعوضٍ نظيرَ طلاقِها، وليس من شرطهِ إيقاعُهُ في المحكمةِ، بل يجوز أن يتراضى الزوجانِ عليه وينفذاه بينهما، ويكون لازمًا، قال خليل رحمه الله: “جاز الخلع وهو الطلاق بعوض وبلا حاكم” [مختصر خليل:1/112].

عليه؛ فإن كان الحال كما ذكر في السؤال، فالتفريق الواقع من محكمة الأسرة البريطانية غير معتبر شرعًا، ولا يعتدُّ به في حل العصمة الثابتة بنكاحٍ صحيحٍ؛ لأنه تحاكم لما يخالفُ الشريعةَ الإسلاميةَ وأحكامها، وللزوجة إن أرادت الفراق أن تخالع زوجها على ما يتفقانِ عليه، فإنْ كان الزوج لا يرغبُ في المخالعةِ فلا أحدَ يجبرهُ عليها إلّا القاضي الشرعي، وعند عدم القاضي أو تعذرِ الوصول إليه تقوم جماعة المسلمين مقامه للضرورة، والمراكز الإسلامية في بلاد غير المسلمين تقوم مقامه، فعلى الطرفين أن يحكموا أهل العلم في هذه المراكز، ويلتزموا بأحكامهم، قال الصاوي رحمه الله: “فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ الْعُدُولُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، وَفِي كُلِّ أَمْرٍ يَتَعَذَّرُ فِيهِ الْوُصُولُ إلَى الْحَاكِمِ الْعَدْلِ وَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ كَافٍ” [بلغة السالك لأقرب المسالك: 2/745]، والله أعلم.

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم

 

                                    

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

أحمد ميلاد قدور

حسن سالم الشّريف

 

الصّادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

14/شوال/1440هـ

17/06/2019م

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق