طلب فتوى
الفتاوىالمعاملاتقضايا معاصرة

ما حكم الضرائب؟

ما حكم العمل في مصلحة الضرائب؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (3904)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

أعمل في مصلحة الضرائب، في قسمِ المراجعةِ والمراقبةِ على الشركات، وبمقدوري تخفيضُها عن بعضِهم أو إلغاؤُها بالتجاوزِ عن بعضِ اللوائحِ، فما حكم ذلك؟

الجواب:

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإنّ الضرائب نوعان؛ ضرائب خدمية، وضرائب تؤخذ من أموال الناس دونَ مقابل.

فإذا كانت الضرائب خدمية، تؤخذ نظير خدمة تقدم للناس، كالضرائب التي تؤخذ على الجمارك، وخدمات الموانئ، والمرور في الطرقات، أو على منح التراخيص لممارسة الأعمال، ومراقبة الأسواق، وقيادة السيارات، ونحو ذلك، فهذه لا حرج فيها؛ لأن الناس محتاجون إلى هذه الخدمات في تنظيم حياتهم وتنمية أموالهم، وتعود عليهم بمنافع خاصة، فالمال الذي يؤخذ منهم في هذه الضرائب، هو أجرة على تقديم هذه المنافع، لكن يجب أن تقوم السلطات من جانبها بتقديم الخدمات المطلوبة، التي تضمنتها لوائحها، مقابل جباية هذا المال، فلو كانت الضريبة مثلا على المرور، فيجب على السلطات أن تقوم بالخدمات التي نظَّمها قانونُ المرور، بما يوفر سلامة السير على الطرقات، لا أن تجبي الإدارة الضرائب، ولا تؤدي ما عليها من خدمات، كتعبيد الطرق مثلا، ووضع العلامات وتنظيم السير، ونحو ذلك.

أما النوع الثاني من الضرائب، وهو ما يؤخذ من غير مقابل، أو ما يُعرف بضريبة الدخل، فإنّ استقطاعه جبرًا في الأحوال الاعتياديةِ محرمٌ؛ لأنه من المكوس، ومن أكل أموال الناس بالباطل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:29]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلا بطيبِ نفسٍ منه) [النسائي:11325].

ولا تحل هذه الضرائب إلا عند الضرورة، التي يمكن تحديدها بالشروط الآتية:

1- أن تكون حاجة السلطات للضريبة حاجة حقيقية وضرورية، لا وهميةً أو ظنيةً، بحيث لا يكون للسلطات موارد أخرى، تستطيع أن تسير بها أعمالها.

2- أن تكون السلطات فقيرة، ومواردها لا تفي بالقيام بشؤونها، وأن يكون فرض الضريبة استثنائيًّا مؤقتًا، حسبما تدعو إليه الضرورة، وأن يوظف الإمام على الناس بقدر الحاجة، على أن ينتهي هذا التوظيف بانتهاء الحاجة؛ فإن الضرورة الشرعية كما هو معلوم “تُقدّرُ بقدرِها”.

3- أن يتم إنفاق المال على الوجه المشروع في مصالح الأمة، لا على المعاصي والشهوات والأهواءِ، من قِبَل السلطة الحاكمة، ولا على ترفيه أنفسِهم وأٌسرِهم، ولا لترضية السائرينَ في ركابِهم.

4- أن تُؤخذ من فضل المال، أو ما يزيد عن حاجة الناسِ الأساسية، فمَن كان عنده فضلٌ عن إشباع حاجاته الأساسية؛ أُخذت الضريبةُ مِن هذا الفضلِ، ومَن كانَ لا فضلَ عنده بعد هذا الإشباع للحاجات الأساسية؛ فلا يؤخذ منه شيءٌ.

والأصل في المسلم ألَّا يعمل في مكانٍ يعلمُ أنه يتعامل بالمحرمات؛ لأنّ في ذلك إعانةً على المعصيةِ، وإقرارًا للباطل، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:2]، ولا بأس بمخالفة الأصل إن كان يعلم أنه يمكنه الإصلاح بإلغاء هذه الضرائب أو تقليلها ما استطاع.

عليه؛ فإن كنت قادرًا على الإصلاح وتقليلِ الشرّ، فيجوز لك العمل في هذه المصلحة، وفي حال لم تستطعِ التغيير والتقليلَ، ففي غير مواطن الشُّبهِ من أبواب الرزق غُنية إن شاءَ الله تعالى، ومن تركَ شيئًا للهِ عوضَهُ الله خيرًا منه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (… فإنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَلْقَى فِي رَوْعِي أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنِ اسْتَبْطَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ رِزْقَهُ، فَلَا يَطْلُبْهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُنَالُ فَضْلُهُ بِمَعْصِيَةٍ” [مستدرك الحاكم:2136]، والله أعلم.

وصلَّى الله على سيّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم

 

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

أحمد ميلاد قدور

حسن سالم الشريف

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

14/شوال/1440هـ

17/06/2019م

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق