طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب من صحيح التفسير – الحلقة (224)

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

– الحلقة (224)

(وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ)[النساء:20-23].

(وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ) أي أراد أحدكم أنْ يطلقَ ويتزوجَ.

بعدَ أن أمر الله الأزواج بالتروي، وألا يتسرعوا في كراهية النساء، وأن الصبر على المرأة قد يجد الزوج فيه خيرًا كثيرًا، ذكر أن الكراهية قد تفضي إلى الطلاق، وأن الزوج يطلق ليأتيَ بأخرى، ويظلم الأولى، فحذره من الظلم، ومِن وجوه هذا الظلم الذي قد يطرأُ أنّ المطلقَ قد يتحايل على المطلَّقة، فلا يوفيها ما بقي لها عنده من المهر؛ ليجعله مهرًا للجديدة، وتتأذى بذلك الأولى أذًى شديدًا، حيث كان معلومًا عندهم – من الآية السابقة – أنّ الزوج قد أُعطي الحقّ في منع المرأة مهرَها إذا أتتْ بفاحشةٍ مبينة، وأبيح له أن يأخذ ما فدتْ به نفسها من مهرها، إذا أرادت الطلاق في تلك الحالة، فإذا مُنعت مهرها من غير حق، وأتَى بأخرى، صارتْ موضع تهمة، وأنها ما مُنعت إلا لأمرٍ يتعلق بعفتها، فنهى اللهُ الأزواجَ أن يأخذوا مِن مهور النساء شيئًا، وأمرهم أن يؤدُّوه إلى النساء بأكملهِ، ولو كان قناطيرَ مقنطرة مِن الأموال، فقوله (وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا) أي مالًا كثيرًا، مهما بلغَ، وليس المراد حقيقة القنطار، ثم وبخهم على أخذِ شيءٍ منه بقوله (أَتَأخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) فالاستفهام إنكاري توبيخي؛ لوصفه بالإثم والبهتان، وقوله (بُهْتَانًا) منصوبٌ على الحال، فِعلُه بَهَتَ كمَنَعَ، إذا افترى، وقال على غيره ما لمْ يقل عيانًا، وكافحَه بالكذب جهارًا دون حياءٍ، وأتبعَه باستفهام آخر، يدلُّ على التعجبِ من هذا السلوكِ العدواني، فقال:

(وَكَيْفَ تَأخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) (أَفْضَى) كشفَ بعضُكم على بعض، واتصلتم اتصالَ مسيسٍ ومباشرةٍ ومعاشرةٍ، وأصلُ الإفضاء مِن الفضاء؛ لأنّ من خلاله يقعُ الاتصال (وَأَخَذْنَ مِنكُم) أخذتِ الزوجاتُ من الأزواج قبل هذَا التمكن والإفضاءِ (مِّيثَاقًا غَلِيظًا) وهو عقدُ النكاح الذي استُحلت لهم به الفُرُوج، التي لا يحلُّ أن تخلى عن المهر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ)([1])، فكيف استحللتُم به ثم سلبتُموه؟!

(وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم) قال: (مَا نَكَحَ)، ولم يقل: (مَنْ نَكَحَ)؛ لأن الكلامَ متوجهٌ إلى النهي عن صفةِ نكاحِ المقتِ مِن نكاح الجاهلية، الواقعِ على امرأةِ الأبِ بوصفها، لا على امرأةٍ بعينِها، كما تقدم في قوله: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)([2])، والنكاحُ في قوله (مَا نَكَحَ) المراد به العقد، فتحرم من عقد عليها الأب على الابن، ولو لم يدخل بها (مِنَ النِّسَآءِ) (مِن) بيانية، لبيان من وقع عليهن التحريم، وهنّ نساء الآباء (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) الاستثناء مِن عموم الإثم الذي تضمنه النهي، والتقدير: لا تنكحوا ما نكح آبَاؤُكُم، فإنه إثمٌ، إلا ما قد سَلف، فلا إثم عليكم فيه، ويصح أن يكون الاستثناء منقطعًا؛ لأن ما قد سلف معلومٌ أنه لم يشمله النهي، أي المستثنى منه، أي: لا تنكِحُوا ما نكح آبَاؤُكُم من النساء، لكن ما قد سلفَ فهو عفوٌ، لم يكن منهيًّا عنه (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) الفاحشة: ما بلغ الغاية في القبح، والمقتُ: المبغضُ الممقوتُ، وكانوا يسمون نكاح الابن زوجة أبيه المقت، وولد الابنِ منها المقتي، وقد حرم الله تعالى عليهم هذا النكاح، وقبّحه، ووصف من سلك طريقه بطريقِ السوء، وبئستِ الطريق.

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ)

هذا تعدادٌ للنساء المحرمات، وهنَّ ثلاثة أنواع: محرَّماتٌ من النسب، ومحرّمات من الرضاع، ومحرّمات بالمصاهرة، فالمحرمات من النسب الأمهاتُ، وما عطفَ عليهن، إلى قوله (وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) وأسند التحريم إلى ذوات النساء، والتحريمُ حكمٌ شرعي لا يتعلقُ بالذوات، وإنما يتعلقُ بأفعال المكلفين، فيقدر في مثله تعلقه بالفعل المقصودِ من تلك الذوات غالبًا، وهو هنا النكاح، أي: حرم عليكم نكاح أمهاتكم، ويقدرُ في تحريم الميتةِ مثلًا أكلُها، وفي تحريم الخمر شربُها، وهكذا، والأمهاتُ وما عطف عليهنّ من الجمع المضاف الدال على العموم، يدخلُ فيه الأصولُ والفروع، الوالداتُ والجدّاتُ مهما عَلَوْن، والبناتُ وبناتُهن مهما نزلْنَ، والأخواتُ من كلّ الجهات، شقيقات أو غير شقيقات، وبناتُ الأخ، وبناتُ الأخت، وبناتهن مهما نزلْن، ومن كل الجهات،  والعماتُ والخالاتُ كذلك، مهما علوْنَ، عمةُ الرجل، وعمةُ أبيه وأمه، وجدِّه وجدتِه، وخالتُه، وخالةُ أبيه وأمه، وخالةُ جدِّه وجدتِه، ومن كلّ الجهات، شقيقةً للأب أو للأم، أو غيرَ شقيقة.

والنوع الثاني: المحرمات من الرضاعة كذلك، مثل ما ذكر من النسبِ على النحو السابق، فالأم من الرضاعة أم، وزوجُها أب، وذكرت الآية منهن الأمهات من الرضاعة، وحرمت الباقيات بالسنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ)([3])، ويستثنى من ذلك ما يلي:

1- أخت الابن من الرضاعة: فهي أجنبيةٌ عن الأب، ولو كانت من غير الرضاع لكانت ابنته، أو ربيبته.

2- أخت الأخ وأخت الأخت من الرضاعة: فهي أجنبية، ولو كانت من غير الرضاع لكانت أختًا.

3- أم الأخ والأخت من الرضاع: ولو كانت من النسب لكانت أما، أو زوجة أب.

4- أم ابن الابن من الرضاع: ولو كانت من غير الرضاعة، لكانت حليلةَ الابن.

5- جدة الولد من الرضاع، كما لو أرضعتْ أم أجنبيةٌ ولدَكَ: فإنّ أمَّها لا تحرمُ عليك، ولو كانت من غير الرضاع لكانت أمك أو أم زوجك.

والنوع الثالث: وهو المحرمات بالمصاهرة، ذكرها الله تعالى في قوله: (وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ) فهي أيضًا من صيغ العموم، فتحرم أم الزوجة، وجدتها مهما علَتْ، وتحرم عند جمهور العلماء بمجرد العقد على الزوجة، دخل بها الزوج أو لم يدخل؛ للإطلاق في قوله: (وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ) ولم يقيد كما في نكاح الربيبة، قيد بالدخول بأمّها في قوله: (الَّلاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ).

وحرّم القرآن الجمع بين الأختين، وأضافت السنة الجمع بين المحارم، فـقد (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أَنْ تُنْكَحَ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا)([4])، وقال: (فَإِنَّهُنَّ إِذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ قَطَّعْنَ أَرْحَامَهُنَّ)([5]).

 

[1]) ابن خزيمة:2809.

[2]) النساء:3.

[3]) مسلم:1445.

[4]) البخاري:5108.

[5]) مصنف عبد الرزاق:10766.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق