طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب من صحيح التفسير- الحلقة (259)

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

 الحلقة (259)

[النساء:122-126].

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا)[النساء:122].

عطَفَ على جزاء الكافرينَ في قوله (أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) جزاءَ المؤمنين (وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ) لتحصلَ المقابلةُ بينَ مصير الفريقين، وتتبينَ حقيقةُ الوعدين، فوعد الشيطان غرورٌ وزيفٌ وأمانيُّ وأحلامٌ وسرابٌ، ووعدُ اللهِ بالجنةِ لعبادِه صدقٌ وحقّ، فـ(وَعْدَ) منصوبٌ على المصدر المؤكِّد لنفسه؛ لأنه في معنى الجملة قبله، وهي: سندخلُهم جناتٍ، دون احتمالِ معنًى آخر؛ لأنه لا معنى للوعد الحسنِ مِن الله للمؤمنين إلا دخول الجنة، و(حَقًّا) مصدرٌ مؤكِّدٌ أيضًا، لكنه مؤكّدٌ لغيره؛ لأنّ مضمون (سَنُدْخِلُهُمْ) يدل على معنى المصدر (حَقًّا) بالاحتمال، والعامل فيه المصدر المقدر، أي: وعدهم الله وعدًا، وأحقّه حقًّا (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا) استفهامٌ إنكاريّ بمعنى النفي، و(قِيلًا) كلامًا وحديثًا، وهو منصوبٌ على التمييز، أي ليس حديثٌ أصدقَ مِن حديثِ الله وكلامِه.

(لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا)[النساء:123].

(لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ) الأماني: جمع أُمنيَة، بالتخفيفِ والتشديدِ، مِن التمنِّي، والتمنِّي: هو طلبُ ما لا طمعَ فيه، أو فيه عسرٌ، والباءُ في (بِأَمَانِيِّكُمْ) للمصاحبة، وفي (لَيْسَ) ضميرٌ يعود إلى الوعد المتقدم، بمعناه المصدري، والمعنى: أنّ وعد الله بدخول الجنةِ، لا يحصلُ بالتحلي بالأماني ومصاحبتها، بل يحصلُ بصحةِ المعتقدِ والتشميرِ وحسنِ العمل.

فهذه الآية أَسستْ لقانونِ النجاح في الدارين، وهو يقومُ على العمل، والسبق إلى الصالحات، فلا يُتوصلُ إلى شيءٍ من الغاياتِ الشريفةِ، مِن غاياتِ الدنيا ولا الآخرة بالبطالَة، ولا بالأمانيّ الكاذبةِ العِجاف، وقد حكَى القرآن لنا بعضًا من أماني أهل الكتاب: (وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً)([1])، وقولهم:  (وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ)([2])، وسَمّى قولهم هذا: أماني، فقال: (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ)([3])، وكان أيضًا للمشركين أمانيّ، يسترضونَ بها أنفسَهم؛ لتبقى على حالةِ الكفر، مثل قولهم عن الأصنام: (هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ)([4])، وقولهم: لا بعث ولا جنة ولا نار، وقولهم: إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء ـ أي المسلمون ـ لنكونن خيرًا منهم وأحسنَ حالًا، وكانت تقع مُحاجة بين المسلمين وأهل الكتابِ، على ما روي في سببِ نزول الآية، كلُّ فريق يقول: نحن خيرٌ منكم، ولن يدخلَ الجنةَ إلّا مَن كان على ديننا، كلّ ذلك القولِ مِن الفريقين كان أمانيّ، فردَّهم الله جميعًا إلى القسط، ووَضع لهم ميزان العدل، فقال (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) ليست الجنة وجزاؤها بالتمني، بل بالإيمان والعمل الصالح، مَن حققه بشروطه، سواء من هذه الأمة، أو من الأمم قبلها؛ فهو أهلٌ له، وزاد هذا المعنى تأكيدًا بعدَ هذا بقوله (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) وقد صحَّ عن بعض السلفِ أثرٌ بمعناه: (لَيْسَ الْإيمَانُ بِالتَّمَنِّي، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ ـ أَيْ ثَبَتَ وَأَثَّرَ فِي الْقَلْبِ – وَصَدَّقَهُ الْعَمَلُ)([5])، فمَن تعلقَ بالأماني، وجعلها رأسَ ماله، وتركَ العمل، حَكَم على نفسه بالإفلاس، وخرج خاليَ الوفاضِ صفرَ اليدين، وهو قانونٌ واحدٌ؛ كما هو في عمل الآخرة صحيحٌ، هو كذلك في عمل الدنيا صحيحٌ.

وقوله (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) جملةٌ مؤكدةٌ لمضمونِ ما قبلَها، وهو أنّ الاعتدادَ في النتائج بالعملِ لا بالتمني، وكانوا يَعدُّون (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) أشدَّ آيةٍ في القرآنِ على العصاة؛ لأنها رَتبتِ الجزاءَ على السوء ترتيبَ الجزاء على الشرط، يحصلُ بحصوله، وقد ورد أنها لما نزلتْ قال الصديقُ رضي الله عنه: (يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ الصَّلَاحُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ؟ قَالَ: يَرْحَمُكَ اللهُ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْتَ تَمْرَضُ؟ أَلَسْتَ تَحْزَنُ؟ أَلَسْتَ تُصِيبُكَ اللَّأْوَاءُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ ذَاكَ بِذَاكَ)([6])، أي هذا مِن الجزاءِ على السوء (وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) مَن عَمِل السوءَ وتركَهُ اللهُ لنفسِه، وتخلتْ عنه نُصرته، لا يجد مُتولِّيا يتولاه؛ من قرابةٍ ولا قبيلةٍ، ولا رئاسةٍ ووجاهةٍ من وجاهاتِ الدنيا، تدفعُ عنه السوء، ولا يجد نصيرًا ولا حليفًا، يستجيبُ لنصرتِه.

(وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)([7])[النساء:124].

لما تقدم أنَّ مَن عملَ سوءًا يجزَ به، ذكر عمل الصالحات، فمن يعمل مع الإيمان عملا صالحًا، أيّا كان العاملُ في جميع أحواله مِن ذكر أو أنثى، يُوفَّى جزاءه بدخولِ الجنة، ولا ينقصُ له مِن عملهِ شيءٌ، وقوله (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) قيدٌ في قَبول العمل الصالح، فإنّ الإيمانَ شرطٌ في قَبولِ وصحّة أيّ عمل.

(وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) لا يُنقصون شيئًا مِن أجورِ ما عملوه، ولو كان صَغيرًا، فالنَّقير: مقدارُ النقرةِ في ظهرِ النَّواة([8])، وهي الثقبُ والنقبُ الصغير في ظهر النواةِ، وهو الذي تنبتُ منه النخلةُ، ويسمَّى الوقبَ أيضًا، يُضرب به المثل في القلة، لا ينقصون من عملهم الصالحِ شيئًا مهما قَلَّ، ومن باب أولى لا يُعاقَبونَ، زيادةً عما عمِلوه من سوء؛ لأن الذي يَتولى الجزاءَ هو العدلُ الرؤوفُ الرّحيم.

(وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)[النساء:125].

(مَنْ أَحْسَنُ) استفهامٌ إنكاريٌّ بمعنى النفي (أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلهِ) الوجه يُعبر به عن الذاتِ، أي: لا أحسن دينًا ممن انقادَ وأذعنَ ظاهرًا وباطنًا لله بالتوحيد، واعترف برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به، فإسلام الوجه معناه: الطاعة المطلقة (وَهُوَ مُحْسِنٌ) جملةٌ حاليةٌ، أي: أَحسنَ الاستسلامَ والانقيادَ، وبلغَ فيه مرتبةَ الإحسان؛ بمراقبةِ اللهِ تعالى في السرِّ والعلنِ (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) مِلة إبراهيمَ دِينه، والجملة مؤكدةٌ لمضمونِ ما قبلها، وهو إسلامُ الوجهِ إلى اللهِ والانقيادُ إليه، فإنّ ملةَ إبراهيمَ ودينَه هو الإسلام، كما قال تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)([9])، و(حَنِيفًا) مِن الْحَنَف، وهو الْمَيْل([10])، أي: مِلَّتُه مائلةٌ عن الأديان الباطلة، وتاركة لها إلى الدينِ الحقِّ، وهو الإسلام (وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) زيادة تزكية وثناء مِن اللهِ على إبراهيم، بعد مدحِ دينه، واختيارِ ملته؛ باتخاذهِ واختيارِه خَلِيلًا، فمعنى اختاره: اصطَفاه، والخليلُ، ويقال له خِلّ وخُلّ، أصل معناه: الصاحبُ الملازِم، والخُلة: الصحبةُ، قال تعالى: (لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ)([11])، وتُجمع الخُلة على خِلال، كقلة وقِلال، قال تعالى: (مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ)([12])، والخِلال أيضًا الفرجةُ بين الشيئين، قال تعالى: (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ)([13])، فاشتقاق مادة الخلة، يرجعُ معناه إلى الودِّ الذي يتخللُ النفسَ ويخالطها([14])، هذا أصله بين الناس، والمراد بخلةِ إبراهيم: رضَا الله عنه، واختصاصه بمنزلةٍ تشبهُ منزلة الخليلِ لدَى خليله، وقال: اتخذَ الله، ولم يقلِ اتخذَه، ففي التصريحِ باسم الجلالةِ زيادةُ تشريفٍ لإبراهيمَ، بأنَّ مَن اصطفاهُ واتخذه للخلةِ هو اللهُ جلَّ جلالُهُ، وقد ثبتت الخلةُ لنبينا صلى الله عليه وسلم أيضًا، قال صلى الله عليه وسلم: (إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللهِ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلاً، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً)([15]).

(وَلِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا)[النساء:126].

(وَلِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) مُلكًا وتصرفًا، فاللامُ للاختصاص، لا يشاركه في ذلك أحد (وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) إحاطةَ علمٍ وقدرة، والمقصود التخويف، فإن مَن ملك، وأَحاط علمُه وقدرتُه بكل شيء، يجب أن تُحذر مخالفة أمره.

[1]) البقرة: 80.

[2]) البقرة: 111.

[3]) البقرة: 111.

[4]) يونس: 18.

[5]) هذا الأثر لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وإسناده إلى الحسن البصري صحيح. فيض القدير: 5/355، وابن أبي شيبة: 30351، والبيهقي في شعب الإيمان: 65.

[6]) أحمد:69.

[7]) (مِن) في قوله (مِنَ الصَّالِحَاتِ) للتبعيض، ومن في قوله (مِن ذَكَرٍ) بيانية، والظرفُ وهو الجار والمجرور في قوله (مِنْ ذَكَرٍ) مستقرّ، حال من الضمير في قوله (يَعْمَل) أي: ومن يعمل من الصالحات حالة كونه مِن ذكرٍ أو أنثى، وجملة (وَهُو مُؤْمِنٌ) حالية.

[8]) تهذيب اللغة:9/92.

[9]) آل عمران:67.

[10]) القاموس المحيط، مادة (حنف) ص:802.

[11]) البقرة:254.

[12]) إبراهيم:31.

[13]) النور:43.

[14]) القاموس المحيط، مادة (خلل) ص:994، ولسان العرب: 11/211.

[15]) مسلم: 1125.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق