طلب فتوى
الأسرةالطلاقالفتاوى

حكم طلاق السكران

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (6195)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

أنا ع ف ش، قد وقع مني طلاق في أربع مرات؛ الأولى: كنت في تونس في حالة سُكر، وقلت لزوجتي عبر الهاتف: (إذا بتِّ خارج المنزل فأنت طالق)، وقد خرجت إلى بيت أمها، ثم رجعت وباتت في المنزل.

الثانية: كنت أيضًا في حالة سُكر مع قليل من الإدراك، وبعد مشادة هاتفية بيني وبينها جاءتني رسالة مكتوب فيها: (وين ادّور سكران زي الكلب)، فظننت أنها منها، فأرسلت إليها رسالة قلت فيها: (أنتِ طالق)، ثم تبيّن لي صباحًا أن المرسل لم يكن هي، بل أحد أصدقائي.

الثالثة: كنتُ في سُكر شديد ولا أذكر شيئًا، وقد أخبرتني الزوجةُ أني اتصلتُ بها، وأنها شاكة: هل سمعتْ لفظ الطلاق أم لا، وأنا لا أتذكر شيئًا من تلك الليلة.

الرابعة: كانت زوجتي في بيت أهلها، فسمعت أنها تخرج مع إخوتها، فأرسلت لها رسالة كتبت فيها: (إذا خرجتِ دون إذني فأنتِ طالق دون رجعة)، وكنت أقصد بـ “دون رجعة” أني طلقت قبل ذلك، فإن وقعت هذه فستكون الطلقة الثالثة الموجبة للبينونة الكبرى، فخرجت مع إخوتها في بعض شؤونها الضرورية؛ كعلاج الأبناء ونحوه، بعد علمها بالرسالة، فما حكم هذه الطلقات؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإن ما وقع فيه السائل من معصية شرب الخمر، حتى أضاع وعيه وأسقط نفسه من رتبة العقلاء، كبيرةٌ من كبائر الذنوب، وموبقة من عظائم الإثم، إذ جعل نفسه في منزلة البهائم التي لا تعقل، وارتضى أن يهبطَ بها إلى مهاوِي الفجور والخِسّة، والله سبحانه قد عظّم شأن العقل، فحرّم الاعتداء عليه كما حرّم الاعتداء على الدماء والأموال والأعراض، وجعل الخمر رجسًا من عمل الشيطان، يوقع العداوة والبغضاء، ويصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة.

والسائل ـ مع عظم الجرم وفداحة الخطر ـ لم يظهر منه وجَلٌ من هذه الكبيرة، ولا حرقةُ قلبٍ على ما اجترح من محارمِ الله، وإنما انحصَر همُّه في أن يعرفَ: هل وقع الطلاق على زوجته، أم لم يقع؟ وكان الأجدر به أن يكون سؤاله: ما السبيل إلى التوبة من هذه الخطيئة المردية؟ وكيف يطهّر نفسه من دنسها، قبل أن يلقى الله وهو ساخط عليه؟

فإنّ التوبةَ هي الندمُ على الذنب والعزمُ على عدم العود، ومن دون ذلك فالسؤال عن الطلاق لا يغني شيئًا عن مصيره عند الله، نسأل الله أن يصلح حاله ويهديه سواء السبيل.

أمَّا فيما يتعلَّقُ بوقوع الطلاقِ من عدمِه، فإن الطلاق الأول غير واقع؛ لعدم وقوع المعلق عليه، وهو المبيت خارج المنزل، وأما الطلاق الثاني، الذي أرسل فيه رسالة يطلقها فيها؛ لظنه أن زوجته هي من أرسلت الرسالة المذكورة، فإن البساط يدل على أنه ما أراد الطلاقَ إلَّا لكونها قالت الكلام المذكور، فهو في قوة تعليق الطلاق على إرسالها للرسالة، فإن تبيَّنَ أنها لم ترسلها، فإنّ الطلاقَ لا يقع، وفي مثل هذا يقولُ الخرشي: “مَنْ دَفَنَ مَالًا ثُمَّ طَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ نَاسِيًا لِمَكَانِهِ الَّذِي دَفَنَهُ فِيهِ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ… أَنَّ زَوْجَتَهُ أَخَذَتْهُ ثُمَّ أَمْعَنَ فِي النَّظَرِ ثَانِيًا فَوَجَدَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي دَفَنَهُ فِيهِ وَأَوْلَى غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ: إنْ كَانَ الْمَالُ ذَهَبَ فَمَا أَخَذَهُ إلَّا أَنْتِ، وَلَمْ يَذْهَبْ” [شرح مختصر خليل: 3/88].

وأما الطلاق الثالث الذي لا يتذكره السائل، وشكّت الزوجة فيه، فإنه غير واقع؛ لأن الأصل بقاء العصمة، فلا يرتفع هذا الأصل بالشك، قال الخرشي: “فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الزَّوْجَةِ النِّكَاحُ الْمُبِيحُ لِلْوَطْءِ، وَهُوَ لَا يَرْتَفِعُ بِالشَّكِّ” [شرح مختصر خليل: 4/65].

وأما الطلاق الرابع الذي علق فيه الطلاق على خروجها بغير إذنه؛ فإنه واقع، وتلزمه به طلقة واحدة، قال ابن يونس: “وَإنْ قَالَ: أنتِ طَالِقٌ طَلْقَةً ‌لَا ‌رَجْعَةَ ‌ِلي ‌عليكِ فِيهَا، فَهِيَ واحدةٌ، وَلَهُ الرّجْعَةُ وَلَا يَضُرُّهُ مَا قَالَ… إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِقَوْلِهِ: ‌لَا ‌رَجْعَةَ ‌لِي ‌عَلَيْكِ فِيهَا، الثَّلَاثَ” [الجامع لمسائل المدونة: 10/858].

عليه؛ فقد وقع على الزوج طلقة واحدة، وقد خرجت الزوجة من العدة بحسب إخبارها، فلا يجوز له أن يردها إلا بعقد جديد بوليّ وصداق وشاهدين، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

عبد الدائم بن سليم الشوماني

عبد الرحمن بن حسين قدوع

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

12/جمادى الأولى/1447هـ

2025/11/03م    

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق