المنتخب مِن صحيح التفسير – الحلقة (387)
بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم
المنتخب مِن صحيح التفسير
الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
الحلقة (387)
[سورة الأعراف: 137-140]
(وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ)(137)
بعد ذكرِ ما حلّ بفرعون وقومه، وما نزلَ بهم من النِّقْمة، وهلاكهم بالغَرق، في قوله (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) عطفَ عليه بعد ذلك ما أنعم الله به على بني إسرائيل الذين نجّاهم منه، في قوله (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ) بنو إسرائيل الذين كانوا مستضعفين في أرض مصر عبيدًا وخَدمًا لفرعون، وَرَّثَهم اللهُ (مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا) وهي أرض الشام، مَلَّكَها لهم، وحَوَّلها إليهم سهلةً بعد أن كانت لغيرهم، كما يتحوّل المالُ الموروث للوارث سهلًا، دونَ كدٍّ ولا عَناء.
ومشارقُ الأرض ومغاربُها: جهاتُ الأرض المتعدِّدة لبلاد الشام، التي وصلوا إليها وَوُرِّثُوها، فإنّ إسناد الجهات إلى الشرق والغرب نِسْبيٌّ، يختلف باختلاف الأمكنة، فالمكان الواحد يكون شرقًا بالنسبة إلى جهة، وغربًا بالنسبة إلى جهة أخرى، والشام يُطلق على كل البلاد الواقعة بين العراق وتركيا، والجزيرة العربية والبحر الأبيض المتوسط، وكانت الشام قبل بني إسرائيل لأمم أخرى، نُزعت منهم، والبركة في قوله (الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) كثرةُ الخير بالخِصْبِ والمياه والخيرات، وبأنّها أرض الأنبياء، وبها بيت المقدس.
وقوله (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) إخبارٌ لنبينا صلى الله عليه وسلم، فيه بِشارة له وللمؤمنينَ بأن العاقبة للمؤمنين، ووعيدٌ للكافرينَ.
و(كَلِمَتُ رَبِّكَ) ما وعدَ الله به بني إسرائيل، وقَدَّره لهم في علمه أزلًا، وهو ما وعدهم به في قوله: ﴿وَنُرِیدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِینَ ٱسۡتُضۡعِفُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةࣰ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِینَ﴾([1]) وما بشرهم به موسى ﷺ في قوله (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُّهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ).
ووصَفَ اللهُ كلمتَه بالحسنى؛ لأنّ أفعالَه وكلماتِه الكونيّةَ وكذلك أسماءَه وصفاتِه، كلُّها حُسنى، فما آتاهم الله من أقداره، وما وعدهم به من التمكين، وإهلاك عدوّهم، كان حَسَنًا لهم، وما أصابَ عدوّهم من عقوبة بعد ذلك على معاصيهم هو كذلك من كلماته التكوينيّة الحُسنى؛ لأنّه من إصلاح سياسة الخلق، فالقِصاص حُسنٌ، وإن كان للظالم إساءةً، وهي كلمات حسنى، وإن كانت لفرعون عقابًا، وهو معنى قولهم في مذهبِ أهل الحق: أنَّ الحسَن ما حَسَّنه الشرع.
فمعنى (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) تَحقّق وعدُه ووعيده وأُنجز.
وقوله (عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ) فَصبرُ بني إسرائيل على أذى فرعون بالقتل والخدمة والاستعباد، كان سببًا لما أنعم الله به عليهم، وفيه دليلٌ على أنَّ الصبر عاقبتُه النصر.
وعُدِّي فعل (تَمَّتْ) بعلى؛ لتضمينه معنى حَقَّت، والباء في (بِمَا صَبَرُواْ) للسببية، وما: مصدرية.
(وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ) دَمَّرنا ونقضنا بالهدم ما كان يصنع فرعون وقومه من العِمارة والبناء والقصور والحصون، وما كانوا يرفعونه في الجنّات والبساتينِ والحقول، من العرائش والكُروم.
فـ(دَمَّرْنَا) من التدمير، وهو النَّقضُ والتخريب الشديد، بحيث يصير المنقوضُ أثرًا بعد عين، و(يَعْرِشُونَ) من عَرشَ من باب ضَرَبَ ونَصَرَ، بمعنى رَفَعَ، والعَرائش: الأَسْقُف المرفوعة المُعدَّة لرفع أغصانِ الأعناب والكُروم ونحوها مما يُعلَّق فوق الأرض؛ لتكسُوها الخُضرة.
(وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمٖ يَعۡكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصۡنَامٖ لَّهُمۡۚ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ قَالَ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِيكُمۡ إِلَٰهٗا وَهُوَ فَضَّلَكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ)(138-140)
هذا انتقالٌ مما كان يُلاقيه نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم من فرعون والقِبط، إلى ما بدأ يلاقيه من قومه بني إسرائيل، بعد أن أغرق الله تعالى فرعون وجندَه، وفي ذلك تعريضٌ بهلاك المشركين في مكة ومن يفعل فعلَهم، وتسليةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم.
والمعنى: هَيَّأْنَا لبني إسرائيل الأسبابَ، واجتزنا بهم البحر؛ ليَخرجوا منه بسلام، وبعد خروجهم على شاطئ بحر القُلزُم من الناحية الشرقية -وهو الاسم القديم للبحر الأحمر- أَطبق البحر على فرعون وجندِه، قال تعالى: ﴿وَأَنجَیۡنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجۡمَعِینَ ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡءَاخَرِینَ﴾([2]).
فقوله (وَجَاوَزْنَا) مِن جاوَز المكان وجَازَه: قَطعَه.
وبعد خروجهم من البحر مَرُّوا في طريقهم بأرض الشام على قوم، وهم الكنعانيون العمالقة، فوجدوهم يلازمون ويَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ وأوثان يملكونها، وينحتونها بأيديهم، ثم -لضعف عقولهم – يستسلمُون إليها، ويلتزمُون عبادتها.
فـ(لَهُمْ) في قوله (يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ) للتشنيع عليهم بضعف عقولهم وسَذاجَتِها، كما قال تعالى: ﴿قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ﴾([3]).
فـ(يَعْكُفُونَ) من عَكَفَ على الشيء، إذا أَقام عليه ولَازَمه.
وقوله (قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ) يدل على أن التوحيد لم يتمكّن من قلوب بني إسرائيل في ذلك الوقت، أَعجبهم ما وَجدوا عليه عُبّاد الأوثان، فطلبوا من موسى صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم أوثانًا مثلَ أوثانهم يعبدونها، ووُصِفوا بقوله (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) لأن الجهلَ هو الذي أوصلهم إلى أن يُسوُّوا بين الحَجَر وبين مَن خلقهم ونَجَّاهم، وأَهلكَ عدوهم وأنقذهم منه، فليس شيء أضرَّ من الجهل، وحُذِف مفعول (تَجْهَلُونَ) للتعميم، فيعمُّ كل جهل، وعلى رأسه جهلهم بحقّ الله عليهم في العبادةِ، وبأسمائِه وصفاته.
وقوله (إِنَّ هَؤُلَآءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ) حكمٌ بالهلاك مِن الله على مَن يعبدون الأوثان، والإشارة بـ(هَؤُلَآءِ) إلى من كانوا عاكفين على عبادة الأصنام، والإشارة إليهم دون ذكر اسمهم، مع وصفهم بالعكوف على الأصنام؛ للتقليل مِن شأنهم، على حدِّ قول الكفار عن النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَقَالُوا۟ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ یَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَیَمۡشِی فِی ٱلۡأَسۡوَاقِ﴾([4])، و(مُتَبَّرٌ) من التَّبَار، وهو الإهلاك والتدمير، وهو قريب من الثُّبور، الذي هو بمعنى الهلاك، و(مَّا هُمْ فِيهِ) مُهلَكون هم، ومُهلَك ما هم فيه من العكوف على عبادة الأصنام، و(بَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) زائلٌ وذاهبٌ عملهم، لا يتحصلونَ منه على شيء، سوى الأوزارِ والآثام.
قال لهم موسى عليه السلام: كيف أطلب لكم غير الله إلهًا؟! والحال أنّه فَضَّلكم على العالمين في زمانكم، فجعل منكم أنبياء وملوكًا وأبناءَ أنبياء، وذلك التفضيل يستوجب الشكر، وليس الكفرَ كما تَبغُون.
والاستفهام في قوله (أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا) مستعملٌ في الإنكار على طلبِهم وابتغائِهم إلهًا غير الله، و(غَيْرَ اللَّهِ) مفعولٌ مقدمٌ لـ(أَبْغِيكُمْ) قُدم لأنَّ عبادة غير الله هي المقصودة والمخصوصة بالإنكار، و(أَبْغِيكُمْ إِلَهًا) كيف أطلب لكم إلهًا غير الله، وجملة (وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) حاليّة.
[1]) القصص:5.
[2]) الشعراء: 65، 66.
[3]) الصافات: 95، 96.
[4]) الفرقان:7.