الحبس على الذكور دون الإناث
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6102)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
أنا (م ض)، أحد المنتفعين بالحبس المذكور في الوثيقة المرفقة لديكم، وقد جاء فيها: “… حضر لدى كاتبه النائب ك ض … وأشهدنا على نفسه… بأنه حبّس وأوقف رغبة منه في ثواب الله تعالى على ابنَيْهِ لصلبه، وهما أ و م، وعلى من سيولد له في بقية عمره من الذكور إن قدر الله بذلك، على السوية بينهما، ثم على بنيهما، وعلى بنيهما إلى آخر النسل، لا مدخل فيه للإناث إلا بالوصف الآتي، ولا لابن مع أبيه، ولا يحجب أصل غير فرعه، وإذا مات واحد عن غير فرع ذكر؛ رجع نصيبه لأخيه شقيقه، فإن لم يكن فلأخيه لأب، وهكذا الأقرب فالأقرب، وإذا مات واحد تنزل بنوه منزلته، كان واحدا أو أكثر، وهكذا إلى آخر العقب، وتستوي فيه بنات ابن المحبس وعمتها معه، وليس لأولاد البنات شيء، وإذا انقرض البنات من عند آخرهم كان حبسا على بيت الله الحرام، يصرف في مصالحه كسائر الأوقاف… وذلك الذي حبسه… هو جميع ما على ملكه وتحت تصرفه من عقار وغيرها… –ذكر العقارات- حبسا مؤبدا ووقفا مسرمدا، لا يباع ولا يوهب ولا يورث حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين… واستثنى المحبس المذكور ثلث الغلة يصرف عليه ما دام حيا، فإذا مات لحق ذلك بالحبس، وجرى مجراه ما انطبق عليه، كما أباح المحبس المذكور القسمة فيه جدارا، والمناقلة لبعضهم بعضا، والبيع لبعضهم بعضا كذلك، كما جعل لبناته إذا استحقت تستغل بقدر نصيبهن، فإذا استغنت بزوج أو مال يمنع عليهن، وحضر المحبس عليهما وقبلا من والدهما المذكور ما حبس عليهما، وحازوا حوزا صحيحا شرعيا… بتاريخ: رجب، سنة: أربعة وتسعين ومائتين وألف”، فما هو الحكم الشرعي لهذا الحبس؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فالحبس على الذكور دون الإناث هو محل اختلافٍ بين أهل العلم، والصوابُ الذي ترجحه الأدلة الشرعية أنه غير جائزٍ شرعًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ) [البخاري: 2587]، وفي المدونة: “رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها إذَا ذَكَرَتْ صَدَقَاتِ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَإِخْرَاجَ الرِّجَالِ بَنَاتِهم مِنْهَا، تَقُولُ: مَا وَجَدتُّ لِلنَّاسِ مَثَلاً الْيَوْمَ فِي صَدَقَاتِهِمْ، إِلّا كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ)” [المدونة: 4/423]، وقال الإمام مالك رحمه الله في رواية عنه: “إِنَّهُ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ” [شرح الخرشي: 5/88]، وهو اختيار الشيخ خليل رحمه الله في المختصر، قال: “وبَطَلَ… – أَيْ الْوَقْفُ – عَلَى بَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ” [مختصر خليل: 212]، وهو المعتمد في أكثر المذاهب.
والحبسُ على الذكور دون الإناث باطلٌ بالقانون الصادر سنة 1973م، المستند للفتوى الشرعية الصادرة من مفتي ليبيا السابق؛ الشيخ الطاهر الزاوي رحمه الله، التي أيّدها قرار مجلس البحوث والدراسات الشرعية التابع لدار الإفتاء، رقم (1) لسنة 1443هــ 2022م، بتعديل القرار رقم (1) لسنة 1435هـ 2014م بشأن الوقف المعقب، ونصّه:
[“… بطلان هذا النوع من الوقف من تاريخ صدور القانون رقم 16 لسنة 1973م، ويُعمل بهذا القانون القاضي ببطلان عموم الوقف الذري، بالشق الخاص منه بالوقف على الذكور دون الإناث في الطبقة الأولى خاصة؛ لما فيه من الحيف والجور، دون غيره من الوقف الذري، الذي لا جور فيه؛ لأنه يدخل في أبواب البر.3- إمضاء الوقف على الذكور دون الإناث الواقع قبل الإلغاء، إن حكم به حاكم؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف.
4- تتمّ قسمة الوقف الذي حكم ببطلانه على ورثة المحبس الموجودين من الذكور والإناث وقت نفاذ القانون، بتاريخ: 24/ 04/ 1973م، ويعتبر المحبس كأنه مات في هذا التاريخ، فمن مات أصله قبل سنة (1973م) وكان هذا الأصل أنثى؛ فإنه لا يرث، ولا يدخل في القسمة، ومن استحق شيئًا من الموجودين يوم إلغاء الوقف بمقتضى الفريضة الشرعية؛ ذكورًا وإناثًا، فله التصرف في نصيبه بالبيع والهبة ونحوه”.
عليه؛ فيقسم الحبس المذكور -المُفْتَى ببطلانه- على الذكور والإناث، الموجودين وقت تاريخ صدور القانون سنة 1973م، بحسب الفريضةِ الشرعيةِ، ويعدّ المحبِّسُ كأنّه مات في ذلك الوقت، فمن وجد من الورثة في هذا التاريخ يقسم عليهم ذكورًا وإناثًا، ومن استحقّ شيئا فله التصرف في نصيبه بالبيع والهبة، ومن مات أصله قبل سنة 1973م، وكان هذا الأصلُ أنثى؛ فإنه لا يرثُ، ولا يدخل في القسمة، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد العالي بن امحمد الجمل
عصام بن علي الخمري
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
03//ربيع الأول//1447هـ
27//08//2025م