طلب فتوى
البيعالتبرعاتالفتاوىالمعاملاتالهبة

حكم هبة الثمن بلا حيازة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (6108)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

اشترى السيد (ع ح م) وأبناؤه (م)، و(ع)، و(ب) في سنة 1976م عقارًا مكونًا من شقق ومحلاتٍ، بثمنٍ دفعه الأبُ فقط، وقيَّد في العقد أنَّ العقار بينه وبين أبنائه المذكورين على الشيوع، له فيه حصتان من ستٍّ، ولِـ(ع) حصتان كذلك، ولِـ(م) حصة، ولِـ(ب) حصة، ثم في أول سنة 1977م، وهبَ حصتيه لابنيه (د)، و(ل)، مُناصفةً بينهما على الشيوع؛ ليصير العقار بذلك ملكًا للأبناء دون الأب، لكن في عقد الهبة تولى الأب القبول لابنيه (د)، و(ل)؛ لكونهما قاصرين قانونًا، فقد أكمل (د) حينها سبعة عشر عامًا فقط، و(ل) ستة عشر عامًا، وأبلغهما بها شفويّا؛ ليُعلمَهُمَا بها، ولم يتصرّفا في العقار محل الهبة على الشيوع أي تصرف دال على تملكهما حصة في العقار؛ ثم تُوفِّيَ الأب، ثم انتزع منهم العقار بقرار رقم (4)، ثم صدر قرارٌ بالتعويض في الشقق، ولم ينفذ إلى اليوم، وصدر قرارٌ بإرجاع المحلات، فأُرجِعتْ إلينا، ثم بِعناها، فكيف يُقسم ثمنها؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فما قام به الأب من شراء عقارٍ له ولأبنائه الثلاثة هو من قبيل هبة الثمن، لا المثمن، فملكهم له صحيح شرعًا، قال التسولي رحمه الله: “وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى دَاراً مَثَلاً وَأَشْهَدَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِابْنِهِ، وَلمْ يَذْكُرْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الِابْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ أَيْضاً، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لَهُ بِمَالٍ وَهَبَهُ إِيَّاهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَحُوزَهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بِنَفس الشِّرَاء كَانَ مِلْكاً للِابْن فَلَمْ يَتَقَرَّرْ لِلْأَبِ عَلَيْهِ مِلْكٌ حَتَّى يَحْتَاجَ لِلْحَوْزِ، وَالثَّمَنُ قَدْ حِيزَ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ …” [البهجة شرح التحفة: 401/2].

وتنازل الأب لابنيْه فيما بعدُ يعدّ هبة، والهبة شرطها حصول الحيازة في حياة الواهب، بأن يتصرّف الموهوب له في الهبة تصرف الملَّاك في حياة الواهب، وإلا فإنها ترجع ميراثًا، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادّ عِشْرِينَ وَسَقًا مِنْ مَالِهِ بالغَابَةِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: وَاللهِ يَا بُنَيَّةُ مَا مِنَ النّاسِ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ، وَلَا أَعَزَّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَ عِشْرِينَ وَسَقًا، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ”[الموطأ: 2202]، ولا يكفي مجرد التّسجيل عند محرّر العقود، كي تتحقّق الحيازة الشّرعية التي ينتقل بها الملك، قال أبو الحسن المنوفي رحمه الله: “هِيَ [أي الحيازة] وَضْعُ اليَدِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي الشَّيْءِ الْمَحُوزِ كَتَصَرُّفِ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ؛ بِالْبِنَاءِ، وَالْغَرْسِ، وَالْهَدْمِ، وَغَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ” [كفاية الطالب الرباني: 482/2].

عليه؛ فإن هبةَ الثمنِ صحيحةٌ نافذةٌ شرعًا، وهي تمليك الأب أبنائه الثلاثة (م)، و(ع)، و(ب) حصصًا من العقار على الشيوع، وأما هبته حصتيه لابنيه (د)، و(ل) فهي غير نافذة شرعًا؛ لعدم الحيازة، ولا يُكتفى بحيازة الأب عنهما، فهما بالغان، والبالغ يحوز الشيء الموهوب له بنفسه حال حياة الواهب، وحيث لم تتم الحيازة بطلت الهبة، فترجِعُ الحصتان ميراثًا لجميع الورثة الأحياء يوم وفاة المورِّث، يقسمُ عليهم حسبَ الفريضة الشرعية، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

عبد العالي بن امحمد الجمل

عبد الرحمن بن حسين قدوع

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

08//ربيع الأول//1447هـ

01//09//2025م  

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق