طلب فتوى
الأسرةالطلاقالفتاوىالنكاح

الطلاق بلفظ التحريم وتعليقه بحصول شيء

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

رقم الفتوى (6213)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

أنا (ك م)، متزوج من (ن س) منذ سنة 2013، وفي سنة 2015 حدث خلاف بيني وبين زوجتي، فقلت لها في لحظة غضب: “حارم”، ولم أسأل أحدًا، ولكن أمي سألت امرأةً زوجُها شيْخٌ، فقالتْ: ليس عليكم شيء إذا بقيَتْ في منزل زوجها.

ثم في سنة 2021 حصل خلاف بيني وبين أهلها، فقلت لها مهددًا“إذا سلمتِ على أخيكِ فأنتِ طالق”، وبعد مدة سلّمتْ عليه، وأرجعتها أمام شاهدين، وقلت: “إني أرجعت زوجتي إلى عصمتي”.

وفي سنة 2022 تفاقم الخلاف بيني وبين أبيها، الذي كان يطالبها بلبس رداء (الباصمة) -وهو لباسٌ جرت عادة عائلاتهم أن تلبَسَه المرأةُ أمام أبيها بعد زواجها- إلى درجة أنْ ألزمها بلُبْسه من لحظة خروجها من بيتها، ولم يرضَ أن تلبسه فقط عند وصولها لمنزله، وحلف ألاّ يقابلها ولا يراها إلا به، فغضبتُ وقلتُ لها: “لو لبستِ رداء الباصمة فأنت طالق”. ومنذ ذلك الوقت لم تلبسه ولم تلتقِ بأبـيها، فما هو الحكم في الطلقات السابقة، وهل من مخرج في أن ترى أباها دون وقوع الطلاق، مع إصراره على موقفه؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فالطلاق بلفظ: “أنتِ حارم” يقع بائنًا بينونةً صغرى على المختار، وهو رواية عن مالك رحمه الله، [انظر الجامع لأحكام القرآن: 18/180]، وَسُئل الموَّاق رحمه الله عمَّن قال لزوجته: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، ما يلزمه في ذلك؟ فَأجاب بقوله: “فَنَحْنُ نُفْتِي بِالْبَيْنُونَةِ بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا إِنْ كَانَ نَوَى الثَّلَاثَ” [المعيار المعرب: 4/244].

فتكون الزوجة قد بانت من زوجها منذ عام 2015، وما فعله من إبقائها بعد لفظ التحريم اعتمادًا على قول من لا يُوثق بعلمه أمرٌ محرم؛ إذ الواجب في مثل هذا أن يُسأل أهل الفتوى والعلم والدين، لا أن يُستفتَى من لا يُميّز بين الحلال والحرام.

وقد أدّاه تهاونه هذا إلى الجناية على دينه وعِرضه؛ إذْ استرسل في معاشرة امرأته بعد البينونة، فكان في ذلك استحلالٌ للفروج المحرّمة، والواجب عليه الآن أن يُفارقها فورًا، ولا يجوز له أن يُرجِعَها إلا بعد أن تستبرئ بثلاث حيضاتٍ، ثم يعقد عليها عقدًا جديدًا بصداقٍ وشاهدين.

وبناء على ذلك، يكون تعليقه الطلاقَ على تسليمها على أخيها، وكذلك على لبسها لرداء (الباصمة) لا شيء فيه؛ لأنه تعليقٌ للطلاق على امرأةٍ أجنبيّة، وهو لا يقع به الطلاقُ إذا فعلت المحلوفَ عليه، قال ابن الحاجب رحمه الله: “فَلَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ أَوْ بَائِنٍ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَنَكَحَهَا فَدَخَلَتِ الدَّارَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ” [جامع الأمهات: 293].عليه؛ فالذي يلزم الزوج هو طلقة واحدة بائنة، وعليه مفارقةُ زوجته فورًا، ثم إن أراد الرجوع إليها فبعقد جديد، وذلك بعد استبرائها من مائه الفاسد بثلاث حيضاتٍ.

وتعليقُه للطلاق بعد ذلك، على التسليم أو على لبس الرداء، لا أثر له شرعًا؛ لأنه وقع على امرأةٍ أجنبيةٍ عنه، فلا يقع به طلاق، ونُنَبّه الزوج إلى وجوب الاحتراز من ألفاظ الطلاق، وعدم التهاون في شأنه، فإنه أمرٌ عظيم الخطر، له آثاره الشرعية البالغة.

وعلى الأب -إن كان حلفُه بالله- أن يكفر عن يمينه، ويستقبل ابنته ولا يقطع رحمه، فإنّ قطع الرحم كبيرة من كبائر الذنوب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَدخُلُ الجنّةَ قاطِعُ رَحِمٍ) [مسلم: 2556]، وقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ حَلَفَ بِيَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) [الموطأ: 2/478]، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

عبد الرحمن بن حسين قدوع

عصام بن علي الخمري

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

26/جمادى الأولى/1447هـ

2025/11/17م   

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق