طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب من صحيح التفسير- الحلقة (311)

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

 

الحلقة (311)

 

[سورة المائدة:106-108]

(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ)(106-107)

افتتحت الآيات بنداء للمؤمنين، مضمونه الدعوة إلى الاعتناء بحمل الوصية، ونقلها للورثة، وبالإشهاد عليها إذا كتبت أو أخبر بها الموصي غيرهما، وذلك النقل أو الشهادة له حالتان:

الحالة الأولى: حالة الحضر والإقامة بالبلد، عندما يكون الإشهاد والتوثيق سهلا، واستدعاء العدول لسماع الوصية وحفظها متيسراً مقدورا عليه.

والحالة الثانية: حالة السفر، عندما يتعذر حضور العدول لدى المريض الذي يريد الوصية، فيحتاج إلى أن يُشهد من يحضره في السفر، من العدول أو من غيرهم، خوف الفوات.

وبدأت الآية بالحالة الأولى – حالة الحضر – بنداء يتضمن أمر المؤمنين أنه إذا حضر أحدهم الموت وظهرت عليه علاماته، وغالبا في هذه الحالة ما يريد المريض أن يوصي ويكتب وصيته، فالمطلوب منهم أن ينقلوا وصيته أو يشهدوا عليها، ولا يهملوها، ويكون ذلك النقل للوصية أو الإشهاد عليها بشهادة عدلين (مِنْكُمْ) من المؤمنين، يسمعان الوصية ويتحملانها، ولا يمتنعان عنها ولا عن أدائها، كما قال تعالى: ﴿وَلَا ‌یَأۡبَ ‌ٱلشُّهَدَاۤءُ إِذَا مَا دُعُوا۟﴾([1])، وذلك حفاظا على حقوق الموصي وحقوق ورثته من بعده من التغيير والتبديل.

الحالة الثانية حالة السفر، إذا ضربتم في الأرض وحضر أحدكم الموت في السفر، وحلت به مصيبته، وظهرت عليه علاماته، وأراد أن يوصي، ولم يوجد عدول من بينكم، بأن لم يكن في الحاضرين عدلان معروفان من قرابتكم، بأن كانا بعيدين مجهولي الحال، أو كانا غير مسلمين من أهل الذمة، فعليكم أن توثقوا الوصية بشهادتيهما كيفما كان الحال، وذلك خوف الفوات، فيشهدان وينقلان الوصية، لكن إن ارتبتم في أمانتهما وشهادتهما فغلظوا عليهما في الشهادة، بإخافتهما من عاقبة الخيانة فيها والتغيير، وذلك بحبسهما وإمساكهما للشهادة بعد صلاة المسلمين، إن كانا مسلمَين، وبعد صلاة غيرهما إن كانا غير مسلمين.

وورد في الصلاة أنها صلاة العصر؛ لأنها الوسطى، والتقاء ملائكة الليل والنهار بها، تخويفًا لهما، وأدعى للرهبة، فيُقسمان بعد الصلاة، وهذا محله (إِنِ ارْتَبْتُمْ) في أمر عدالتهما، وهو متوقع؛ لأنهما إن كانا مسلمين فهما من غير عشيرتكم، غير معروفين لكم في عدالتهما، وإن كانا غير مسلمين فالريبة من باب أولى، وعلى أنهما من غير المسلمين يكون الحكم بقبول شهادتهما على المسلم مما كان في أوّل الأمر، ثم نسخ، فيُقْسمان عند نقل الوصية أو تحمل الشهادة، يقولان (لَا نَشْتَرِي) ولا نأخذ بالقسم الذي نحلفه (ثَمَنًا) بل نؤدي الشهادة كما سمعناها، ولا نأخذ عن قسمنا وحلفنا بالله عوضا، مهما بلغ هذا العوض، حتى (وَلَوْ كَانَ) محاباة ينتفع به ذوو الـ(قُرْبَى) من أهلنا، ويؤكدان القسم بقولهما: (وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ) التي أمرنا بها وتحملناها، وعظَّمنا بها اسم الله، ولو فعلنا وبدلناها (إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ) المستحقين للإثم.

فإن تبين بعد هذا الاحتياط أن الشاهدين اللذين من غيركم ارتكبا (إِثْمًا) بتغيير الشهادة، وضيّعا حقّ أولياء الموصي وورثته، فيقوم شاهدان آخران مقامهما من أولياء الموصي، وورثته المتضررين من الشهادة الأولى، مقام الشاهدين المتهمين، ويحلّان محلهما، يؤدّيان شهادة أخرى، ترد الأمر إلى نصابه، يستحقان بموجَبها ما أخذ منهما بالشهادة الكاذبة.

والأولياء الذين يحلفون لردّ الشهادة الأولى مطلوب منهم الحلف، سواء كانوا اثنين كما جاء في الآية، على ما هو الحال في سبب نزولها، أو كانوا أكثر، فإنهم إن كانوا أكثر يحلفون جميعا، يشهدون شهادة يبطلون بها شهادة الكاذبين؛ ليستردوا حقهم، ولا يكفي شهادة بعضهم إن كان الأولياء جماعة؛ لأنه لا يحلف أحد ليستحق غيره، ويقول الأولياء وورثة الموصي في شهادتهم لإبطال شهادة المتهمين الأولين: ما شهدنا إلا بالحق، وما اعتدينا على أحد بنقص حقه؛ لأننا إن فعلنا ذلك لكنّا ظالمين أنفسنا، وظالمين بوضع الباطل موضع الحق، وما نقول ذلك إلا لعلمنا بعاقبة (الظَّالِمِينَ)، هذا هو المعنى العام للآية.

وقال أهل المعاني والتفسير: ليس في القرآن آية أعظم إشكالا من جهة الحكم والإعراب والتفسير من هذه الآية، حتى إنّه ألفت فيها تصانيف مفردة، ومع ذلك لم يخرج أحدٌ من عُهدتها، وسبب نزول هذه الآية ما ذكره الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا فِي كِتَابِ الْوَصَايَا: أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيّ وعَدِيّ بْن بَدَّاءٍ -وكَانَا مِنَ نَصَارَى العَرَبِ- خَرَجَا فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ، وَمَعَهُمَا بُديل بْنُ أَبِي مَرْيَمَ مَوْلَى لآل ابن العاص وكَانَ مُسْلِمًا، فَمَرِضَ بُدَيل، وَكَانَ مَعَهُ فِي أَمْتِعَتِهِ جَامٌ مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصٌ بِالذَّهَبِ قَاصِدًا بِهِ مَلِكَ الشَّامِ، فَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أَخَذَ صَحِيفَةً فَكَتَبَ فِيهَا وصيّة بمَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَتَاعِ وَالْمَالِ، وَدَسَّهَا فِي أَمْتِعَتِهِ، وَدَفَعَ مَا مَعَهُ إِلَى تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، وَأَوْصَاهُمَا بِأَنْ يُسلما المَتَاعَ إِلى مَن كَانَ لَهُم وَلَاؤه، وكان وَلَاؤه لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِي وَالْمُطَّلِبِ بْنِ وَدَاعَةَ.

فَلَمَّا رَجَعَ الرفيقان بالمتاع إلى مكة خانا الأمانة، وبَاعَا الْجَامَ بِمَكَّةَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ودفعا باقي المتاع إلى موالي بديل في المدينة، فوجدوا الوصية مذكورا فيها الجام، فسألوا عنه تَمِيما وَعَدِيّا: فَأَنْكَرَاه، ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ يُبَاعُ بِمَكَّةَ، فَقَالَ الذي وُجد عنده: إِنَّهُ ابْتَاعَهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ.

واختصم الفريقان إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ، فَحَلَفَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِي وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ عَلَى أَنَّ تَمِيمًا وَعَدِيًّا أَخْفَيَا الْجَامَ، وَأَنَّه لِبُدَيْل، وَمَا بَاعَهُ وَلَا خَرَجَ مِنْ يَدِهِ. وَدَفَعَ لَهُمَا عَدِيٌّ خَمْسَمِائَةَ دِرْهَمٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ نَصْرَانِيٌّ، وكان تميم قد أسلم قبل ذلك، ودفع ما عليه بإسلامه([2]).

وقوله (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) مبتدأ وخبره محذوف، أي: فيما أُمِرتم به شهادةُ بينكم، و(شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) يمكن حملها على إشهاد العدلين على الوصية، ويمكن حملها على حضورهما مجلس الوصية، لنقلها عن الموصي والعمل بها، لا لمجرد الإشهاد، و(بَيْنِكُمْ) ظرف مكان، لكنه ظرف متصرف، دل هنا على مجرد الإسمية، فأضيف على الاتساع، كما وقع (بَيْنِكُمْ) فاعلا في قوله تعالى: ﴿لَقَد ‌تَّقَطَّعَ ‌بَیۡنَكُمۡ﴾([3]) على قراءة الرفع، و (إذا) في (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) ظرف زمان يدل على المستقبل، وهو وقت الشهادة عند حضور الموت، وحضور الموت: ظهور علاماته وأماراته، لا وقوعه، لأنه لا وصية إذا حضر الموتُ بالفعل.

و(حِينَ الْوَصِيَّةِ) ظرف زمان، بدل مِن (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ) فزمانهما متطابق، و(اثْنَانِ) فاعل لشهادة؛ لأنه مصدر في قوة الفعل، أي: شهادة بينكم أن يشهد اثنان، أو تعرب شهادة مبتدأ واثنان خبره، ولا بد حينئذ من التقدير ليتطابق المبتدأ والخبر، فإمَّا أن يُقال (ذَوَا) شهادة بينكم اثنان، أو شهادة بينكم شهادة اثنين، فحُذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وارتفع ارتفاعه، و(ذَوَا عَدْلٍ) صفة لـ(اثْنَانِ).

ومهمّةُ العَدلين إن كتب الموصي الوصية أو أوصى غيرهما، وهما حاضران أن يشهدا على الوصية، وإن لم يكتبها ولم يوص غيرهما، مهمتهما أن يكونا موصَيين، ينقلان الوصية ويبلغانها، والضمير في (مِنْكُمْ) يعود على قرابة المحتضر، الذين يحضرونه من المسلمين، أو على المسلمين؛ لأن الخطاب افتتح بنداء المؤمنين، وقوله (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) أي من غير المسلمين، أو من غير أهلكم وعشيرتكم، فإذا حضر الموتُ في السفر، وليس هناك من ينقل الوصية عن الموصي، ولا من يشهد عليها من المسلمين، ولم يجد الموصي مسلماً يُشهده فأشهد عليها غير المسلمين – فيكون الحكم منسوخا عند بعض أهل العلم، الذين لا يجيزون شهادة غير المسلم بحال؛ لقوله سبحانه: ﴿وَأَشۡهِدُوا۟ ‌ذَوَیۡ عَدۡلࣲ مِّنكُمۡ﴾([4])، وإليه ذهب مالك وبعض أهل العلم، ومن أهل العلم من جوّز شهادة غير المسلمين في حالة الوصية للضرورة؛ لأن النسخ في سورة المائدة مستبعد، لكونها من آخر القرآن نزولا، ولأن الوصية عند الموت قد تأتي فجأة، ولا تقبل الانتظار، فيفوت المقصود([5]).

والضرب في الأرض: السير والسفر في مناكبها، وجواب الشرط (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ) محذوف، دل عليه ما قبله، تقديره: إن أنتم ضربتم في الأرض فآخران من غيركم من غير المسلمين، يشهدان أو ينقلان الوصية، وجملة (فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) معطوفة على ضربتم في الأرض، أي إن سافرتم ضربتم في الأرض فحلت ببعض رفاقكم في السفر مصيبة الموت، وظهرت عليه علاماته، وأراد أن يوصي، ولم يحضره أحد من المسلمين، فآخران من غير المسلمين يشهدان على الوصية، وقوله (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ) أي: إن حصلت لكم ريبة في عدالة الشاهدين، لعدم معرفتكم بحالهما أو كانا غير مسلمَين، فإنكم تحبسونهما للحلف، والحبس الإمساك للشهادة، فيشهدان بعد الصلاة تخويفًا لهما، حتى لا يتجرّءا على تزويرها وتغييرها، و(أل) في الصلاة إما للعهد، على ما ورد أن التحليف يكون بعد صلاة العصر إن كانا مسلمين، وإن كانا غير مسلمين ففي مكان عبادتهما بعد صلاتهما، أو (أل) للجنس، جنس الصلاة، وقوله (إِنِ ارْتَبْتُمْ) جملة شرطية، جوابها دل عليه ما قبلها (فَيُقْسِمَانِ) أي: إن ارتبتم فيحلفان، فالشرط – وهو وجود الريبة في الشاهدين من غيركم – قيدٌ في قوله: فيقسمان، فإن انتفت الريبة انتفى تحليفهما، وجملة تحبسونهما صفة لآخران، أو حال منه، ولا يضر الفصل بالجملة الاعتراضية (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ).

وقوله (لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا) جواب القسم، أي لا نأخذ ولا نستبدل به عوضا، وجواب (وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) محذوف، أي يقولون في شهادتهم لا نكتم الشهادة ولا نغيرها ولو كانت محابة لأولي القربى أو مقابل ثمن مهما بلغ، فلا نأخذ بالقسم الذي حلفناه عوضا، بأن نتخلى عنه ونتركه، ونأخذ عن تركه عوضا، مهما كان هذا الثمن والعوض كبيرا، حتى لو كان العوض محاباة ذوي قربى إرضاءً لهم (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا) فإن تبيّن واطُّلع بعد هذا الاحتياط في الشهادة على أنّ الشاهدين (اسْتَحَقَّا إِثْمًا) وارتكبا في شهادتهما ما يبطلها بالكذب فيها والتغيير والتبديل، أو الكتمان لبعضها، وحصل بسبب ذلك ظلم وحيْف لأولياء الموصي (فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) أي فشاهدان آخران من الورثة -وهما من تضررا من كذب الشاهدين الأولين- يقومان مقامهما، ويحلان محلهما في شهادة تعوض شهادتهما، وتردّ الأمر إلى نصابه، لاسترداد حقّهما، وقبول شهادتهما لأنّهما الأوليان والأجدران بقبول الشهادة، بعد كذب الشاهدين الأولين، وقوله (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) معناه الذين جُني عليهما وغُلبا في الحق الذي لهما، فالسين والتاء للطلب، أي أن من جُني عليهما ولزمهما حق لزوما باطلا، وغُلبا وتضررا بموجب الشهادة الأولى الكاذبة، هما الأوليان والأحريان بالقيام بالشهادة لاسترداد حقهما، وأُخذ اللزوم فيما غُلبا عليه من قوله (عَلَيْهِمَا) لأن معناها الاستعلاء والتحكم والوجوب، فاللذان يقومان من الأولياء والورثة بالشهادة يطلبان حقهما الذي غلبا عليه، وقوله (الْأَوْلَيَانِ) خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هما الأوليان، وأل في (الْأَوْلَيَانِ) للعهد.

والحكم بشهادة الشاهدين من الورثة يرجع إلى الحكم باليمين والشاهد؛ لأن دلالة العرف الذي معهما بتهمة الأولين يقوم مقام الشاهد، ومن القواعد المقررة أن العرف كالشهادة، وليس الحكم لهما بسبب يمينهما بتكذيب شهادة الآخرين؛ لأنه لا يُعرف الحكم للمدعي بمجرد حلفه على تكذيب شهادة المدعى عليه.

(ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَآ أَوۡ يَخَافُوٓاْ أَن تُرَدَّ أَيۡمَٰنُۢ بَعۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ)(108)

الإشارة في قوله (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ) إلى تحليف الشاهدين عند الريبة في عدالتهما، و(أَدْنَى) معناه أقرب، أي تحليفهما أقرب إلى أن تكون شهادتهما على الحق، وعلى وجهها الصحيح، وقوله (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) أي ممّا يحملهم على الصدق في الشهادة مع الحلف، تخويفهم أن تردّ أيمانهم وتتعقّب، فيكتشف أمرهم ويفضحون.

وفي الآية مستند لمن قال بتحليف الشاهد عند أداء الشهادة، لتمام تزكيته، ولمن قال بردّ اليمين وانقلابها على المدعي، وإلى كلٍّ ذهب بعض الفقهاء (وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) ثم أمروا جميعاً الموصي والحاضر الموت والشاهد بالتقوى؛ لأن الموضع موضع أحكام وتوثيق وشهادة وأداء حقوق، والتقوى تحجزهم عن التعدي، وختمت بالتوعد بإدراج المتعدّي في أعداد الْقَوْم الْفَاسِقِينَ.

[1])    البقرة: 282.

[2])    ينظر أسباب نزول القرآن للواحدي: 1/213، صحيح البخاري: 2780.

[3])    الأنعام: 94.

[4])    الطلاق: 2.

[5])         تفسير القرطبي: 6/350.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق