بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6245)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
في أرضي شجرةُ زيتون موقوفةٌ على مسجد، وأخبرني أهلُ المعرفة أن حريم الزيتونة 5 أمتار في كل اتجاه، فمساحته 100م2، إلَّا أنّ هذه الشجرة قد نخر فيها حفارُ الساق وأتلَفها منذ سنوات، وكنت عرضتُ على الأوقاف أن أعطيَهم جزءًا آخرَ من أرضي، وأغرس فيه شجرةَ زيتون مثلها، فقالوا: لا حاجةَ لنا بها، ولكن ما رأيكَ أن تشتريَ الشجرة؟ فسألتُ أحد الفقهاء؛ فحذرني من شراء الوقف، وبقي الحال بدون فصلٍ فيها، والآن – أثناء سفري – استغلّ أحد أبنائي أغلبَ موقع الشجرة بالبناء عليها بعد قلعها، وهو لا يعلمُ أنها موقوفة، لأني لم أخبر أحدًا بذلك، ولما رجعتُ من السفر وجدت الشجرة مقلوعة والبناء قائمًا، فراجعتُ لائحة هيئة الأوقاف، فوجدتها تشترط في مثل هذه الحالة البديل الأحسن، فما الحُكم؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنَّ الشجرة إذا وُقِفتْ تبعها في ذلك الأرضُ التي هي عليها، قال الخرشي رحمه الله: “مَنْ عَقَدَ عَلَى بِنَاءٍ أَوْ عَلَى شَجَرٍ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْأَرْضَ الَّتِي هُمَا فِيهَا… وَالْعَقْدُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْعًا أَوْ وَصِيَّةً أَوْ رَهْنًا أَوْ وَقْفًا” [شرح الخرشي: 5/180]، ويتناولُ حريمَ الشجرة أيضًا على المعتمَد؛ لقول ابن شاس رحمه الله -في لفظ الشجرة: “وَتَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الأَغْصَانُ وَالأَوْرَاقُ وَكَذَلِكَ العُرُوقُ” [عقد الجواهر الثمينة: 2/728]، قال أحمد الزرقاني رحمه الله: “وَانْظُرْ هَلْ… يدخل حرمهما؟ وهو الظاهر” [حاشية ابن فجلة على المختصر- مخ أزهرية: 84/2].
وإذا تَلِفَتِ الشجرةُ بقي ما تحتها من الأرض وقفًا، ولا يتعطلُ بتلفِ الشجرة، ففي المعيار: “ومَن له شجرة ثابتةٌ في ملكِ الغير فإنه يملكُ موضع الشجرة وحريمها، – وهو مقدار من الأرض يدورُ بها – … وَهَذَا الْحَرِيمُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الشَّجَرِ، وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ… فَإِنْ كَانَتِ الشَّجَرَةُ سَقَطَتْ جَعلَ مَكَانَهَا عِوَضًا مِنْهَا” [المعيار: 14/5].
والأصل أنَّ مَن بَنى في أرض الوقف بشبهةٍ، وجبَ عليه هدمُ بنائه وأخذ نُقضه، قال الخرشي رحمه الله: “مَنْ بَنَى أَوْ غَرَسَ فِي أَرْضٍ بِوَجْهِ شُبْهَةٍ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ بِحُبُسٍ فَلَيْسَ لِلْبَانِي أَوْ الْغَارِسِ إلَّا نُقْضُهُ” [شرح الخرشي: 6/155].
ولكن في مثل هذه الحالة، وحيث كان الوقف خَرِبًا لا يُنتَفع به، يمكن أنْ يؤخذَ بما أفتى به الناصرُ اللقاني رحمه الله من مشروعية الخلوّ، وهو أن تبقى الأرضُ وقفًا على ما هي عليه، ويُجعَل صاحبُ البناء كالمستأجِر لأرضِ الوقف، فيَدفع لجهة الوقف مبلغًا سنويًّا، ويكون البناءُ لصاحبه، ينتفع به بالسكن أو الكراء، أو غير ذلك من وجوه الانتفاع، قال الدردير رحمه الله: “اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتَعَطَّلَ الْوَقْفُ بِالْمَرَّةِ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ رَيْعٌ لَهُ يُـقِيـمُهُ وَلَمْ يُمْكِنْ إجَارَتُهُ بِمَا يُـقِيـمُهُ فَأَذِنَ النَّاظِرُ لِمَنْ يَبْنِي أَوْ يَغْرِسُ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ يَدْفَعُهُ لِجِهَةِ الْوَقْفِ أَوَّلًا بِقَصْدِ إحْيَاءِ الْوَقْفِِ، عَلَى أَنَّ مَا بَنَاهُ أَوْ غَرَسَهُ يَكُونُ لَهُ مِلْكًا، وَيَدْفَعُ حِكْرًا مَعْلُومًا فِي نَظِيرِ الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ مَسْجِدٍ، أَوْ آدَمِيٍّ، فَلَعَلَّ هَذَا يَجُوزُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُسَمَّى الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ حِينَئِذٍ خُلُوًّا، يُمْلَكُ وَيُبَاعُ وَيُورَثُ وَيُوقَفُ، عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ، وَغَيْرُ هَذَا مَمْنُوعٌ” [الشرح الكبير: 3/467].
وقال الدسوقي رحمه الله: “وَشَرْطُ الْخُلُوِّ احْتِيَاجُ الْوَقْفِ؛ لِعَدَمِ الرَّيْعِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ أَرْضٌ بَرَاحًا مَوْقُوفَةً عَلَى جِهَةٍ، أَوْ دَارٌ مُتَخَرِّبَةً مَوْقُوفَةً عَلَى جِهَةٍ، وَلَيْسَ فِي الْوَقْفِ رَيْعٌ يُعَمَّرُ بِهِ، فَيَدْفَعُ إنْسَانٌ دَرَاهِمَ لِجِهَةِ الْوَقْفِ وَيَأْخُذُ تِلْكَ الْأَرْضَ، أَوْ الدَّارَ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِئْجَارِ، وَيَجْعَلُ عَلَيْهَا أُجْرَةً يَدْفَعُهَا كُلَّ سَنَةٍ تُسَمَّى حِكْرًا” [حاشية الدسوقي: 3/433].
عليه؛ فيجوز بقاء البناء على حاله، على أن يدفع صاحبُه للمسجدِ الموقوفِ عليه مبلغًا سنويا، يتفق مع أجرة الوقت في مثله، ينتفع به المسجد، فإنْ أَبَـى ذلكَ فعليه أن يهدمَ بناءه ويخرجَ من أرضِ الوقف، وعلى السائل أن يسعى لتوثيق الوقف وعقد الإجارة والحكر بمعرفة العُدول – إن لم يوثَّق – مثل محرري العقود وغيرهم، ويُشهِدوا عليه جماعةً من أهل المنطقة، حتى لا يندرسَ ويضيع، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عصام بن علي الخمري
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
24/جمادى الآخرة/1447هـ
2025/12/15 م