طلب فتوى
الصلاةالعباداتالفتاوى

حكم ترك صلاة الجمعة من أجل العمل والوظيفة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (6191)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

أنا موظفٌ أعمل في قناة تلفزيونية خاصّة، وتحديدًا في غرفةِ البث الرئيسية، المسؤولة عن نقل جميع البرامج، بما في ذلك صلاة الجمعة، وأثناء نقل صلاة الجمعة من أحد المساجد، حدثت مشكلة فنية في البثّ، مما دفع إدارة القناة إلى اتخاذ قرار بمنع الموظفين في قسم البث من الخروج لأداء صلاة الجمعة، وإلزامنا بأدائها ظهرًا داخلَ مقر القناة، فهل يجوز لي شرعًا الانصياع لهذا القرار، وعدمُ أداء صلاة الجمعة في المسجد؟ مع العلم أن مخالفة القرار تؤدي إلى خصم يوم عمل كامل، وقد تصل العقوبة أحيانًا إلى خصم ثلاثة أيام.

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإن صلاة الجمعة فريضة عظيمة، وهي من أبرز شعائر الإسلام؛ لما فيها من اجتماع المسلمين وتوحيد كلمتهم، وقد أوجبها الله تعالى في قوله: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ) [الجمعة: 9]، وقد ورد في السنة النبوية تحذيرٌ شديدٌ من التهاون في أدائها، فعَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، طَبَعَ اللهُ عَلَى ‌قَلْبِهِ) [المسند: 15498]، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ ‌وَدْعِهُمُ ‌الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ) [مسلم: 865].

والأصلُ أن صلاة الجمعة لا يجوز تركها إلّا لعذرٍ شرعي معتبَر، كما بيّن العلماء، قال المنوفي رحمه الله: “فَإِذَا كَانَ ثَمَّ مَانِعٌ سَقَطَتْ -أي الجمعة- وَهُوَ أَشْيَاءُ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ كَالْمَرَضِ الَّذِي يَشُقُّ مَعَهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهَا، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَهْلِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اشْتَدَّ بِأَحَدِ وَالِدِيهِ الْمَرَضُ أَوْ اُحْتُضِرَ أَوْ خَشِيَ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ، وَمِنْهَا أَنْ يَخَافَ عَلَى مَالِهِ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ سَارِقٍ أَوْ حَرِيقٍ، وَمِنْهَا الْمَطَرُ الشَّدِيدُ وَالْوَحْلُ الْكَثِيرُ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا وَخَافَ أَنْ يُحْبَسَ إنْ ظَهَرَ، وَمِنْهَا أَكْلُ الثُّومِ” [كفاية الطالب الرباني: 1/368].

عليه؛ فإنَّ العمل وقت صلاة الجمعة لا يجوز، إلّا ما كان في تركه ضرر على العمل وتكاليف ماليةٌ، كالحارس للمكان، يجوز له التخلف من أجل الحراسة، وأما مراقبة البث المباشر لنقل صلاة الجمعة فليست مِن هذا القبيل؛ فلا ضرَر في ترك المراقبة، كما لا ضرر في ترك نقلها أصلا، فلا يجوز التخلف عن الجمعة، ولا اشتراطُ رب العمل على العاملين تركَها وأداءَها ظهرًا، من أجل هذا العمل.

وعلى إدارة القناة -إن رأت ضرورة لنقلها- أن تستغنيَ عن نقلها نقلًا مباشرًا بتسجيلها فقط، ثم إعادةِ بثّها في وقتٍ آخر، أو أن تستعينَ بمَن لا تجبُ عليه الجمعة – كالمرأة مثلا- لشغل هذا العمل، وهذا بخلاف أصل العمل في القنوات الفضائية كالعمل في أي مؤسسة من المؤسسات؛ فإن بقاء الحدّ الأدنى من العاملين في القناة أو في غيرها وقت صلاة الجمعة للحفاظ على أداء عملها، ولا يمكنها الاستغناء عنه لا ليلا ولا نهارا وفقده يعرّض محتويات المؤسسة للخلل عذر للتخلف؛ لأنه من الحفاظ على المال والمعدات وحراسة المحتويات، واللهُ أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

أحمد بن ميلاد قدور

حسن بن سالم الشريف

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

05//جمادى الأولى//1447هـ

27//10//2025م 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق