بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6205)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
أنا (خ ص)، طلقت زوجتي (خ خ ز) قائلًا: “أنتِ طالق”، وكان ذلك بعد المغرب من يوم الجمعة، وقد كنت في حالة سُكر مُطبق، فقد استمررت في الشرب من بعد صلاة الجمعة حتى وقت الشِّجار، ولم أعِ شيئًا حتى أخبرني جاري أني قد تلفظتُ بالطلاق، وهي منذ تلك الليلة في بيت أهلها، فماذا يلزمني؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فـإنَّ ما ابتُليَ بهِ السائل مِن شُرب المُسكِرات، فأخرجه من دائرة العقلاءِ؛ محرَّمٌ، بل من كبائر الذنوب، حيث جعل بهِ نفسه في منزلةِ الحيواناتِ غيرِ العاقلةِ، ورضي أن يضعها في هذه الحالة الخسيسة التي تُغضِبُ اللهَ U، فالله حرَّم الاعتداء على العقل، كما حرَّم الاعتداء على الدماء والأموال والأعراض.
والعجبُ كُلُّ العجبِ أنَّ السائل لم يُبَالِ بهذا كله، ولم يَشْعُرْ بالنَّدم، ولا بالخوفِ من الله تعالى! وكلُّ ما أهمَّه من الأمر وأقضَّ مضجعه، هو مجرّدُ سؤاله عن طلاق زوجته؛ هل وقعَ أم لا؟ وكانَ الأجدرُ به أن يسألَ: كيفَ أصنعُ لأتوبَ إلى اللهِ من هذه المعصيةِ الكبيرةِ؛ ليقبلَ اللهُ توبتي؟ وأن يعبِّرَ عن ندمه وخوفه من اللهِ، قبل أنْ يلقاهُ وهو غاضبٌ عليه.
أمَّا فيما يتعلَّقُ بوقوع الطلاقِ من عدمِه؛ فإنّ العقل هو مَناطُ التّكليفِ والمؤاخذةِ بالأقوالِ والأفعال، فإذا كان المطلِّقُ يعِي ما يقول، ويقصدُ ما يتكلَّـمُ به؛ فالطلاق واقعٌ، وأمّا إن غابَ عقلُه فلم يدركْ أو يعلمْ ما صدرَ منه، وطلّقَ في هذه الحالة، فلا يقع طلاقه؛ لأنَّه صار في حكم المجنون، وقد قال النبي r: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَن ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظِ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ المجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ) [أَبُودَاود: 4398]، وقال ابن رشد: “فَأَمَّا السَّكْرَانُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْأَرْضَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَا الرَّجُلَ مِنَ الْمَرْأَةِ، فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ” [البيان والتحصيل: 258/4].
عليه؛ فإنْ كانَ الواقع ما ذُكِر في السؤال، من أنَّ الزوجَ وقت إيقاع الطلاقِ غير مدركٍ لما يقول بسببِ سُكرِه؛ فلا يلزمُه الطلاق، ولكنه آثمٌ مستوجبٌ لغضب الله، بارتكابه كبيرةً من كبائر الذنوب، فعليهِ أن يتوبَ مِن هذه الكبيرة.
وليعلمِ الزوجُ أنَّ وقوعَ الطلاق من عدمهِ متوقِّفٌ على صدقِه فيما أخبرَ به، مِن عدمِ إدراكه لما وقعَ منه مِن التلفُّظِ بالطلاقِ، وأمَّا إن كان الواقعُ خلافَ ما ذَكَر، بأن كان مدركًا لما وقَع منه من الطلاقِ؛ فإنّ هذه الفتوى لا تفيدُه؛ والطلاقُ لازمٌ له، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
20/جمادى الأولى/1447هـ
2025/11/11م