حكم من يقول بأن الحدود الشرعية الإسلامية غير صالحة لهذا الزمان
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6181)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
ما حكم من يقول بأن الحدود الشرعية الإسلامية غير صالحة لزماننا، وبأن منهج الشريعة لا يناسب القانون الوضعي ونوازل العصر الحديث، من بعضِ القانونيين وغيرهم؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن من قواطع الشريعة تحكيم شرع الله في شؤون حياة الناس وأعمالهم وأفعالهم في كل زمان ومكان؛ فقد أجمع أهل العلم على أنه من نازلة إلا ولله تعالى فيها حكم، علمه من علمه، وجهله من جهله، قال الله تعالى: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57]، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10]، وفي الكتاب العزيز: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، والقرآن كتاب معجز في مبناه وفي معناه، لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الردّ، وهو حمال ذو وجوه، يصلح لكل زمان ومكان، فلم ينزل القرآن لعصر النبوة والخلافة الراشدة وحسب؛ بل نزل كتابا خالدا إلى قيام الساعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أوتيته وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [البخاري: 7274].
والنوازل مهما كثرت وتجدّدت في العصور المختلفة لن تضيق عنها نصوص الشريعة إذا ما قام أهل العلم والاختصاص في هذا الشأن بإعمال النصوص؛ لاستنباط الأحكام منها بمقتضى القواعد الشرعيّة، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].
ولم يُعلم أن أحد من العلماء منذ نزول الوحي، قال عن نازلة: هذه لا حكم لها في الشريعة!
فالتحاكم إلى الشريعة واجب لا خيار للمسلمين فيه قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 36]، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
وقد جعل الله التحاكم إلى غير شريعته فسوقا، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 49].
فالقوانين الوضعية ما كان منها مقبولا شرعا لا يحلل الحرام، ولا يحرم الحلال، وينظمُ حياة الناس بما لا يعارض حكم الله؛ فالشريعة تقرّه؛ لأنه يسهل إجراءات الناس ووصولهم إلى ما يريدون من معرفة حكم ما ينزل بهم.
أما ما كان منها مخالفا للشريعة كالتعامل بالربا وعقود الغرر أو البيوعات الفاسدة أو أكل الأموال بالباطل، أو لا يقيم للشريعة وزنا، أو يبطل شيئا من أحكامها ولا يراه مناسبا لحياة الناس المعاصرة، فهذا من الضلال البعيد ويؤدي بصاحبه إلى الردّة والخروج من الملّة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44].
عليه؛ فالقول بقصور الشريعة عن بعض الأحكام أو عن زمن من الأزمان ضلال بعيد، وقائله على خطر عظيم، يصل إلى الكفر وإحباط العمل، إن قاله معتقدًا بأن الحكم بغير ما أنزل اللهُ أوْلى من حكم الله تعالى، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عصام بن علي الخمري
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
04/ جمادى الاولى/ 1445 هـ
26/ 10/ 2025م