طلب فتوى
Uncategorized

طلاق بائن بينونة صغرى

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (6239)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

حصل نقاش بيني وبين زوجتي في عام 2014م، حين كنا عائدين من مدينة زوارة، وأردتُ النزول في بيت قريب لنا، فقلت لها: “إن لم تنزلي معي فأنتِ على ذمة نفسك”، وأقصد بذلك: لستِ تحت طاعتي، أي: حاكمة في نفسك، ولا أقصد بها الطلاق، ثم استرسلتُ معها دون إرجاع.

وبعد عامين أوقعتُ الطلاق بلهجتنا الزوارية، بمعنى “طالق”، واسترسلتُ دون إرجاع، وقبل خمسة أشهر من الآن؛ كنتُ في حالة سكر طافح، ورجعتُ في حالة سيئة، فقلتُ لزوجتي: “تحرمي علي، وإن مُتُّ فلا تربطي عليّ”.

وقبل شهر من الآن طلقتُها بقولي: “أنت طالق”.

علمًا أنّي أعاني من أعراضِ سحرٍ أنا وزوجتي، وذهبت لشيخ معالج، وأخبرنا أننا نعاني من سحر ومسٍّ عارض، مع الانتباه إلى أني واعٍ في كل الطلقات المذكورة، ومُدرك لما صدر عني، فما الحكم الشرعي في الطلقات المذكورة؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإنّ الطّلاق المعلّق يقع إذا حصل الأمر المعلَّق عليه، عند جماهير أهل العلم، من المذاهب الأربعة وغيرها؛ لما جاء عن نافع رحمه الله أنّه قال: “طَلّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ الْبَتّةَ إِنْ خَرَجَتْ، فَقَالَ ابْنُ عُمَر رضي الله عنهما: إِنْ خَرَجَتْ، فَقَدْ بُتّتْ مِنْهُ، وَإِن لَمْ تَخْرُجْ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ” [البخاري معلّقا: 7/45].

ولفظُ: “أنتِ عَلَى ذِمّة نفسك” من الكنايات الظاهرة التي يقع بها الطلاق، لكن اخْتُلف في ما يلزم به، قال الدسوقي رحمه الله: “وَالحَاصِلُ أَنَّ لَسْتِ لِي ‌عَلَى ‌ذِمّة أَوْ أَنْتِ خَالِصَة؛ لاَ نَصّ فِيهِمَا، وَقَد اختلفَ اسْتِظْهَارُ الْأَشْيَاخِ فِي اللَّازِمِ بِهِمَا… وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ… لَسْتِ لِي عَلَى ذِمَّةٍ… يَلْزَمُ فِيهِ طَلْقَةٌ إلَّا لِنِيَّةِ أَكْثَرَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا، وَأَنَّهَا رَجْعِيَّةٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا” [حاشية الدسوقي: 2/ 380-381]، والمطلقةُ طلاقًا رجعيًّا في حكم الزوجة ما دامت في عدتها، وتصح رجعتها إمّا باللفظ الدال عليها؛ كأنْ يقول لمطلَّقته وهي في العدة: راجعتُكِ، أو ارتجعتُكِ، أو رددتكِ لعصمتي، أو بأي لفظٍ صريحٍ، يدلُّ على معنى الرجعة، أو تكون بالفعل كالوطء مع نية الإرجاع، قال التسولي رحمه الله: “الرَّجْعَةُ تَصِحُّ بَأَحَدِ أَمَرَيْنِ بِالقَوْلِ كَلَفْظِ: رَاجَعْتُكِ أَوْ أَمْسَكْتُكِ أَوْ نَحْوِهِمَا… أَوْ بِالفِعْلِ كَالوَطْءِ وَالقُبْلَةِ وَالمُبَاشَرَةِ وَنَحْوِ ذَلكَ بِشَرْطِ قَصْدِ الارْتِجَاعِ بِذَلِكَ” [البهجة:1/541].

واسترسالُ الزوج على الزوجة دون ترجيع لها حرامٌ عليه، يجب أن يتوبَ منه، وبخروجها من العدّة دون أن يُرجعها تكون قد بانت منه، ومعاشرتُهُ لها حرام، وعليه أن يصدق التوبة والندم، ويتعلم ما ينفعه حتى لا يقع في مثله، وما أوقعه بعد الطلاق الأول هو لازم له؛ مراعاة لقول ابن وهب رحمه الله، الذي يصحح الرجعة بالوطء ولو لم يصحبها نية إرجاع ولا قول؛ ويكون طلاقا بائنا بينونة صغرى؛ لأنه كالطلاق في نكاح مختلف فيه، قال عليش رحمه الله: “قَالَ البَنَّانِيّ: وَيَتَعَيَّنُ كَوْنُ الطَّلَاقِ اللَّاحِقِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بَائِنًا؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِلُحُوقِهِ هُوَ أَبُو عِمْرَانَ، وَقَدْ عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ كَالطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَهَذَا بَائِنٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَجْعِيًّا لَلَزِمَ إقْرَارُهُ عَلَى الرَّجْعَةِ الْأُولَى، وَالْمَشْهُورُ بُطْلَانُهَا” [منح الجليل: 4/182]، وإذا تمادى الزوج على وطء زوجته التي بانت منه بينونة صغرى بالطلاق الثاني، فلا يعقد عليها إلا بعد أن يستبرئها بثلاث حيضات.

وأما الولد الذي حصل من هذا الوطء الفاسدُ، فيُلحقُ بالزوج؛ لأنّ الوطءَ كان بشبهة، قال التسولي رحمه الله: “وَالْمَعْنَى أَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ كَنِكَاحِ ذَاتِ مَحْرَمٍ، أَوْ خَامِسَة،ٍ أَوْ مُخْتَلَفًا فِي فَسَادِهِ كَالْمُحْرِمِ، وَالشِّغَارِ إِنْ دُرِئَ فِيهِ الْحَدُّ عَنِ الزَّوْجِ بَعْدَم عِلْمِهِ فِي الْأُولَيَيْن،ِ وَمُطْلَقًا فِي الْأَخِيرَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ وَلَوْ خَارِجَ الْمَذْهَبِ يدْرَأُ الْحَدَّ، فَإِنَّهُ يُلْحَقُ فِيهِ الْوَلَدُ” [البهجة: 1/430].

وما تلفظ به الزوج من الطلاق بعد هاتين الطلقتين، من قوله: “تُحرمي عليّ” والطلاق الذي بعده؛ لا يقع به طلاق؛ لأنه وقع على امرأة بانت منه ليست في عصمته.

وعليه، فإن كان الحال ما ذكر؛ فقد لزمتِ الزوجَ طلقتان، وبانت منه زوجته بينونة صغرى، وعليه الآن إن أراد إرجاع زوجته أن يكفّ عن معاشرتها، وينتظر إلى أن تحيض ثلاث حيضات، أو مدة ثلاثة أشهر إن بلغت سنَّ اليأس، ثم بعد ذلك له أن يعقد عليها إن أراد.

وعليه أن يتقيَ الله في نفسه وأهله، ويُبادر إلى التوبة مما قارفه من منكر السُّكْرِ، فشُرْبُ الخمر من كبائر الذنوب، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (‌مَنْ ‌شَرِبَ ‌الخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا) [الترمذي: 1862]، وعليه أن يتعلم الأحكام الشرعية المهمة المتعلقة بالنكاح والطلاق، وينتبه لنفسه بأن يتجنب الطلاق؛ لأنه إذا طلّق مرة أخرى فإنّ المرأة تحرم عليه، ولا تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره نكاح رغبة؛ لقول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]، ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنم بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]، واللهُ أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

عصام بن علي الخمري

عبد الرحمن بن حسين قدوع

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

19//جمادى الآخرة//1447هـ

10//12//2025م    

 

 

 

 

 

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق