بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6238)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
حصل خلاف بين ابنتي وزوجها، وقررَا الطلاق بالتراضي بينهما، ولهما ابنتان وابن، وحرّرَا في ذلك وثيقة لدى محرر عقود، وقَّع عليها أخوها بصفته وكيلا عنها، والزوج، جاء في الوثيقة: “وحيث استحالت الاستمرارية في الحياة الزوجية قررنا الطلاق بالتراضي، الطلقة الثانية، على البنود الآتية:
1- تنازلت الزوجة عن مؤخر صداقها، وعن مقابل الحضانة (أجرة الحضانة).
2- تطالب ببقية حقوقها الزوجية مثل النفقة، والسكن”.
فما هو الحكم الشرعي في هذا الطلاق وماذا يترتب عليه؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنَّ الطلاق يقع بإمضاء الزوج على وثيقة الطلاق، ما دام عالـمًا بالوثيقة، قاصدًا للإمضاء عليها؛ لأن الطلاق يقع بالكتابة، ولو لم يتلفظ به الزوج، قال الدردير رحمه الله: “(وَبِالْكِتَابَةِ) لَهَا أَوْ لِوَلِيِّهَا (عَازِماً) عَلَى الطَّلَاقِ بِكِتَابَتِهِ، فَيَقَعُ بِمُجَرَّدِ فَرَاغِهِ مِنْ كِتَابَةِ هِيَ طَالِقٌ” [الشرح الكبير: 2/384].
وكلُّ طلاق يحصل معه تنازلٌ من قبل الزوجة عن حقوقها؛ يعدُّ بائنا، من طلاق الخلع ولو لم يقصد الزوجُ الخلعَ وينوِهِ، ولو اعتقد أنه رجعي، جاء في العمل المشكور: “الطَّلَاقُ إِنْ كَانَ وَقَعَ عَلَى عِوَضٍ وَلَوْ صُورَةً يَكُونُ بَائِنًا، تَمَّ الْعِوَضُ لِلزَّوْجِ أَمْ لَا. قَالَ خَلِيلٌ رحمه الله: وَبانَتْ وَلَوْ بِلَا عِوَضٍ نَصَّ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الرَّجْعَةِ، وَإِنْ كَانَ اعْتِقَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ الطَّلَاقَ رَجْعِيّاً لاَ يُفِيدُهُ شَيْئاً” [العمل المشكور في جمع نوازل تكرور، للغلاوي الشنقيطي: 1/485].
وطلاقُ الخلع لا رجعة فيه إلا بعقد جديد ومهر وولي، قال ابن عبد الرفيع رحمه الله: “تَنْبِيهٌ: إِذَا رَاجَعَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ الْمُخْتَلِعَة، فَلَابِدُّ مِن رِضَاهَا وَوَلِيّ وَصَدَاقٍ” [معين الحكام: 1/301].
وعليه؛ فالطلاق المذكور في الوثيقة واقع، وهو خلع، بانت به الزوجة من زوجها بينونة صغرى، فليس له إرجاعها إلا بعقد جديد، بولي وصداق وشاهدين، وقد سقط حقها في مؤخر صداقها، وفي الأجرة التي تعارف الناس على دفعها للحاضنة، مقابل إيقاع الطلاق.
وحيث إنها لم تُسْقِطْ حقها في سكنى الحضانة والنفقة على المحضون؛ فيجب على الزوج توفير المسكن والنفقة للمحضون، في البنات إلى الدخول، وفي الذكور إلى البلوغ، قال مالك رحمه الله: “الْوَلَدُ وَلَدُ الصُّلْبِ دِنيةً، تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فِي الذُّكُورِ حَتَّى يَحْتَلِمُوا، فَإِذَا احْتَلَمُوا لَمْ تلزمْ نَفَقَتُهُمْ، والنِّسَاءُ حتَّى يَتَزَوّجْنَ وَيَدْخُلَ بهنَّ أزْوَاجهُنَّ، فَإِذَا دَخَلَ بِهَا زوجُهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ” [المدونة: 2/265].
وتوفيرُ الْمَسْكَنِ يكون إمَّا بالبقاء بمحلِّ الزوجية، أو في مكانٍ على وجه الكراء، وتكون أجرة المسكن على الزوج بما ينوب الأولاد، وعلى الحاضنة بما ينوبها، بالاجتهاد، بأن يجعل نصف أجرة المسكن مثلا على أبي المحضون، ونصفها على الحاضنة، أو ثلثها على أبي المحضون، وثلثاها على الحاضنة، أو العكس، حسبما هو متعارف عليه، قال سحنون رحمه الله: “سُكنَى الطفْلِ عَلَى أَبِيهِ، وَعَلَى الحاضِنَةِ مَا يخُصُّ نفْسَهَا بالاجْتِهَادِ فِيهِمَا، أي: فيما يَخُصُّ الطفْلَ، وَمَا يخُصُّ الحَاضِن” [الشرح الكبير: 2/355]، وهذا ما لم تكن الحاضنة فقيرة، وإلا فيجب على الزوج إسكانُها، أو دفعُ أجرة المسكن كاملة إلى انتهاء مدة الحضانة، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
19//جمادى الآخرة//1447هـ
10//12//2025م