طلب فتوى
الشركةالفتاوىالمعاملات

فض نزاع في شركة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (3955)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية الأسئلة التالية:

نحن هيئة تحكيم، أنشئت لفض نزاع قائم بين شركاء، يملكون شركتين لإنتاج مواد التعبئة والتغليف الغذائي، وبعد أن سمعت اللجنة أقوال الشركاء، وتحصلت على الحسابات التي يملكها كل طرف منهم، قررت إحالةَ الحسابات إلى مكتب محاسبي محايد؛ للوصول إلى حسابات دقيقة، والاسترشادَ بالفتوى الشرعية فيما استشكل عليها من مواضيع الخصومة؛ ليكون قرار اللجنة مبنيا على رأي شرعي دقيق، لذا نأمل منكم الإجابة على الأسئلة الآتية:

السؤال الأول: قامت شركة ط ف سنة 2015م بطلب فاتورة شراء مواد خام من الصين، حسب الإجراء المتبع، الذي يحدث في كل عملية استيراد، وكانت جميع المراسلات تتم عن طريق (س ح)، وهو شريك في الشركة، وبعد أن استلم الفاتورة النهائية أرسلها إلى (ص ح)، وهو مدير الشركة وشريك من الشركاء، فأجرى حوالة مالية للشركة الصينية بقيمة 50000 دولار، لكن تم قرصنة المبلغ، ولم يصل لحساب الشركة الصينية، فكلفَ ص ح الشريك س ح بالذهاب إلى الصين، والوقوف على سبب المشكلة، فوجد أن الشركة غيرتْ مقرّها، ولاحظَ أنها تمر بأزمة مالية، وعندما سأل محاميا عن إمكانية استرجاع الأموال، قال: إن الظاهر أن المشكلة من الشركة، ولكنَّ إثبات ذلك صعب، وقد يكون مستحيلا، ولا داعي لرفع دعوى، وفي حال رفعها فإن أتعاب المحامي 6000 دولار، فأبلغ س ح: ص ح بذلك، لكن ص ح أصرّ على توكيل المحامي برفع القضية، وأجرى حوالة بـ(6000) دولار، وحدث ما أخبر عنه المحامي من عدم التمكن من استرجاع الأموال، وتم إقفال الحسابات، وأُجري الجرد السنوي، واعتبرت هذه الأموال المحولة خسائر على جميع الشركاء، وكذا الأمر في السنوات اللاحقة: 2016م،2017م، ولم يطالب بها أحد منهم، وعند رغبة الشركاء في تصفية الشركة سنة 2018م، طالب ص ح أن يتحمل س ح هذه الخسائر دون سواه من الشركاء؛ لأنه مَن أحضر الفاتورة النهائية، وقال ص ح إنه لاحظ تغيرًا في رقم الحساب المعتاد الإرسال إليه، وأنه أبلغ س ح بهذا الأمر، لكن س ح قال إن الفاتورة جاءت عبر البريد الإلكتروني المعتاد، فعليه إرسال الحوالة، ويحتج س ح بأنه أبلغ بما تبين له في حينها، وأن القرار النهائي بيد ص ح بصفته مدير الشركة، كما ادعى س ح بأن ص ح لم يجر الحوالة من أساسها، وأنه قدم ورقة تحويل مزورة، مطالبًا إياه بتحمل الخسائر وحده، فمن يتحمل الخسائر؟ وبأي قيمة يتم احتساب الدولار؟ هل بسعر الحوالة سنة 2015م وهو 2.25 دينار للدولار الواحد، أم بسعر الدولار اليوم؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإن اعتبارَ الشركاء أنّ الأموال المحوَّلة خسارةٌ على الجميع، كما جاء في الجرد السنوي، وعدمَ مطالبتهم بها في السنوات التالية، يعدُّ إقرارا منهم بذلك، فقد نقل الونشريسي رحمه الله أثناء حديثه عن قاعدة (السكوت على الشيء هل هو إقرار به أم لا) – عن أبي محمد صالح رحمه الله قوله: “وَلاَ يُخْتَلَفُ فِي السُّكُوتِ الْكَثِيرِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي السُّكُوتِ الْقَرِيبِ”، ثم أعقبه بقول ابن عبدالسلام رحمه الله: “الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ مَسَائِلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ كُلَّ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا فِي النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ النُّطْقِ فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ، نَعَمْ يَقَعُ الْخِلَاُف فِي الْمَذْهَبِ فِي فُرُوعٍ هَلْ حَصَلَ فِيهَا دِلاَلَةٌ أَمْ لاَ” [إيضاح المسالك: 161].

عليه؛ فإن الأموال المحوَّلة تعد خسائر على الجميع، ولا يطالب بها أحدٌ من الشركاء، وبخاصة أن الشخصين المذكورين اللَّذين قاما بالتحويل، لم يُتهم واحد منهما من خلال السؤال بأنه احتال واختلس المال أو حوله لحسابه، وإنما سبب ما حصل كان قائما على اجتهادٍ منهما، حرصا فيه على ألّا تفوتهما الصفقة، فالشريك لا يضمن إلا إذا احتال أو فرط، والله أعلم.

السؤال الثاني: يملك مجموعة من الشركاء شركة ش لصناعة مواد التعبئة والتغليف الغذائي، وهم: (ع، ف، د)، كما يملك هؤلاء الشركاء شركة أخرى في نفس المجال مع شركاء آخرين، وهي شركة (ط ف)، وخلال سنة 2018م كانت إدارة شركة (ط ف) من مسؤولية د، وإدارة شركة ش من مسؤولية ع و ف، وحين قرر الشركاء إنهاء العمل وتصفية شركة الشراع نهاية سنة 2018م، ادعى د أنه باع مواسير ورقية لشركة ش خلال سنة 2018م، بقيمة 95280 دينار، ولم يقبض ثمنها، وأن شركة الشراع مُطالبة بدفع هذا المبلغ لشركة ط ف، لكن إدارة شركة الشراع نفت هذا الادعاء، وقدمت شرحا محاسبيا، بينت فيه للجنة أن مشترياتها من المواسير كانت تتم من تركيا ومصر، وأن الكميات المنتجةَ والكميات المباعة من المنتج الجاهز والمخزون المتبقي تنفي حاجة شركة الشراع للشراء من شركة ط ف، كما أبدى كل من ف و ع استعدادهما لنفي هذا الادعاء بأداء اليمين الشرعي، فعلى من يقع اليمين إثباتًا أو نفيا؟ وما صيغة هذا اليمين؟ وعند إرادة الشركاء في شركة ط ف فض الشراكة فيما بينهم، اعترض كل من ع و ف – اللذان يملكان 45% من رأس المال – على وجود آلات بقيمة 250000 دينار، قالا إنها لا تخص الشركة، وأن شراءها طرأ فجأة من وجهة نظرهما، وأنهما لا يعلمان عن الشراء شيئا، كما ادعيا بأن هذه الآلات يملكها د أحد الشركاء ومدير الشركة، مع الشركاء ط  و س مع مجموعة آخرين، دخل الثلاثة المذكورون في شراكة معهم في مصنع آخر، وأوضح أحد الشركاء في المصنع الآخر أن خلافا حدث بينه وبين د وبقية الشركاء، جعل د يُدخل هذه الآلات ضمن أصول شركة ط ف، وعندما رفض ف و ع هذا الشراء، وبيَّنا أن شراء الأصول يتطلب موافقة جميع الشركاء، قال إنه بصفته المدير العام أمر بشراء هذه الآلات، وأنها تخص الجميع، فهل يعتبر هذا الشراء نافذًا، ويسري على ف  و ع؟ علما بأنهما مستعدان لحلف اليمين الشرعي على نفي علمهما به، وأنه لم يكن للمدير العام توكيل بالشراء المطلق.

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإنه فيما يتعلق بدعوى شركة ط ف بيع مواسير ورقية لشركة ش، وإنكار شركة ش لعملية الشراء؛ فإن شركة ط ف مدعية للبيع، وشركة ش مدعًى عليها، والقاعدة أن البينة على المدعِي، فلا يثبت البيع إلا إذا أقام البائع – وهو شركة ط ف – البينة على البيع، وعند عدم البينة فعلى المدعَى عليهم في شركة ش اليمين على عدم الشراء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (بَيِّنَتُكَ أو يَمِينُهُ) [البخاري: 6299]، والصيغة التي يقولها الحالف منهم: بالله الذي لا إله إلا هو ما اشتريتُ مواسير ورقية من شركة ط ف، ولا علمت بشرائها لصالح شركة ش، وإذا ما حلفوا فلا يلزمهم شراء المواسير الورقية، أما فيما يتعلق بالآلات الموجودة في شركة ط ف، فالظاهر من السؤال أن الشركاء لم يدخلوا على إطلاق التصرف لكل منهم في البيع والشراء لأصول الشركة، كما في شركة المفاوضة، وإنما قيدوا التصرف في شراء المعدات ونحوها بموافقة الشركاء، فتكون الشركة شركة عنان، ليس لأحد منهم شراء سلع للشركة بالدين ولا بالنقد، دون موافقة بقية الشركاء، أو توكيله بالشراء، قال التسولي رحمه الله: “وَشَرِكَةُ مُفَاوَضَةٍ وَهْيَ أَنْ يُطْلِقَ كُلٌّ مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ لِصَاحِبِهِ فِي الْمَالِ الَّذِي أَخْرَجَاهُ غَيْبَةً وَحُضُوراً وَبَيْعاً وَشِرَاءً وَضَمَاناً وَتَوْكِيلاً وَكَفَالَةً وَقِرَاضاً، فَمَا فَعَلَ أَحَدُهُمَا مِن ذَلِكَ لَزِمَ صَاحِبَهُ إِذَا كَانَ عَائِداً عَلَى شَرِكَتِهِمَا…… وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَبِيعَ بِالدَّيْنِ وَيَشْتَرِيَ فِيهِ وَيَلْزَمُ ذَلِكَ صَاحِبَهُ…. أَمَّا إِنْ لَمْ يُطْلِقْ كُلٌّ مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ لِلْآخَرِ بَلْ شَرَطَا أَنْ لاَ يَتَصَرَّفَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَّاَ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ وَمُوَافَقَتِهِ فَهِيَ شَرِكَةُ الْعِنَان لِأَنَّ كُلّاً مِنْهُمَا أَخَذَ بِعِناَنِ صَاحِبِهِ أَيْ بِنَاصِيَتِهِ وَهِي جَائِزَةٌ …. وَعَلِيهِ فَلَا يمْضِي فِعْلُ أَحَدِهِمَا فِي شَيْءٍ مِمَّا مَرَّ أَوْ غَيرِهِ إِلاَّ بِمُوَافَقَةِ صَاحِبِهِ”[البهجة: 345/2].

عليه؛ فإن إمضاء شراء المعدات المشتراة بالنقد لشركة ط ف، متوقفٌ على موافقة بقية شركائه في ط ف، فإن رفضوها يكون ثمنها على المشتري وحده (د)، ولا يطالب باقي الأطراف بدفع ثمنها؛ لأنه يعد بمقتضى لوائح الشركة متعديا، ولا حاجة لأداء اليمين، والله أعلم.

السؤال الثالث: يدعي ع أنه قام بدفع مصاريف إنشاءات وتحويرات بشركة ش، بقيمة 33260، عندما صار شريكا مع ص ح، و س ح سنة 2015 م، وتمت الإشارة إليها في خلاصة جرد 2017م بأنها دين يطالب به الشركة، وهذا حال مبلغ 170000 دينار، قال إنه دفعها زيادة على شريكيه عند مشاركتهما، وتظهر هذه القيم في جرد 2017م، وهذا ما رفضه ص ح ، مدعيًا أنه س ح من دفع هذه الأموال، فأحضر ع شرحًا محاسبيا وافيًا يثبت دعواه، وأقره س ح عليها، وأحضر تسلسلا محاسبيا يثبت دعوى ع، وأقر س ح بأنه لم يدفع هو و ص ح هذه المبالغ، فيما لم يحضر ص ح بينة على دعواه، بل اكتفى بالقول إنه مَن دفعها شخصيا، فهل تثبت هذه المبالغ لع؟ وما هو الحل الشرعي في هذه المسألة؟ كما يدعي ع أنه يطالب ص ح بملغ قدره 49480 دينارا، مترتب عن عدة عمليات خارج موضوع المشاركة، حيث طالب ع بهذا المبلغ أكثر من مرة عن طريق إخوة ص ح، فأبلغوه، لكنه أنكر هذه الدعوى، فعلى من يقع الإثبات أو النفي؟ علما بأن ع أتى بفواتير وقصاصات لا ترقى في نظر اللجنة لدرجة الإثبات.

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإن المدَّعِي – وهو ع في هذه الحالة – مطالب بإحضار بينة معتدٍّ بها شرعًا على دعواه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (بَيِّنَتُكَ أو يَمِينُهُ) [البخاري: 6299].

عليه؛ فإن (ع) مطالب بأن يقدم بينة على دعواه أنه دفع هذه الأموال للشركة، وأنه يستحق المبالغ من ص ح من التعاملات الخاصة بينهما، فإن أتى بالبينة استحق ما ادعاه، وإن لم يأتِ بها، فإن اليمين تتوجه لص ح، فيحلف يمينا بالله أن ع لم يدفع الأموال للشركة، وأنه لا يستحق هذه الأموال منه، فإن حلف فلا حق لع في هذه الأموال، وإن نكل عن الحلف ترد اليمين على المدَّعِي، فيستحق المال بيمينه ونكول المدعَى عليه، قال القاضي عبدالوهاب رحمه الله: “فصل [إِذا نَكلَ المدَّعَى عليه]: وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ إِذَا نَكَلَ انتَقَلَتِ الْيَمِينُ إِلَى جَنبَةِ الْمُدَّعِي لِأَنَّ سَبَبَهُ قَدْ ضَعُفَ بِنُكُولِهِ فَصَارَ الْمُدَّعِي أَقْوَى سَبَبًا مِنهُ فَانتَقَلَتِ الْيَمِينُ إِلَى جِهَتِهِ….. إِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ إِذَا حَلَفَ الْمُدَّعِي حُكِمَ لَهُ بِهِ ِلأَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ لَهُ سَبَبَانِ يَمِينُهُ وَنُكُولُ خَصْمِهِ وِذَلِكَ مُؤَثِّرٌ ِفي الْحُكْمِ”[المعونة:1750/3 ]، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

أحمد ميلاد قدور

حسن سالم الشريف

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

25/ذو الحجة/1440هـ

26/08/2019م

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق