بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6169)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
أنا (ص)، كنت مبتلى بتعاطي المخدرات نوع (ليركا) بشكل يومي، والآن خضعت لجلسات علاج من التعاطي، وبدأت في التعافي، وحصلت لي في الأيام الماضية مشاكلُ مع عائلتي، وزاد الأمر يومها لكوني متعاطيًا للمخدّر، فطلقت زوجتي الطلاق الأول بقولي: (أنت طالق)، وفي اليوم الثاني قلت لها: (أنت طالق طالق طالق) أكثر من مرة، ولا أتذكر تفاصيل المشكلة بسبب تأثير المخدرات، لكنني مدرك أني طلقتُ، وأوقعته مكررًا بنية الثلاث، فهل يقع طلاقي في هذه الحالة؟ علما أن زوجتي كانت حائضًا حينها.
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنّ ما ابتُليَ بهِ السائل مِن تعاطي المخدرات، الذي أخرجَه من دائرة العقلاءِ، محرم من كبائر الذنوب، حيث وضع نفسه في منزلةِ الحيواناتِ غيرِ العاقلةِ، ورضي أن يضع نفسه هذا الموضعِ الذي يُغضِبَ اللهَ، فإن الله حرم الاعتداء على العقل؛ كما حرم الاعتداء على الدماء والأموال والأعراض، وشدَّدَ في شرب الخمر، وجعلَهُ رجسًا مِن عملِ الشيطانِ، والسائل لم يبال بهذا كله، ولم يشعر بالندم، ولا بالخوفِ من الله تعالى؟ وكل ما أهمّه في الأمر وأقض مضجعه، هو مجرّدُ سؤاله عن طلاق زوجته؛ هل وقعَ أم لا؟ وكانَ الأجدرُ به أنْ يسألَ: كيفَ أصنعُ لأتوبَ إلى اللهِ من هذه المعصيةِ الكبيرةِ؛ ليقبلَ اللهُ توبتي؟ وما السبيلُ إلى ذلك؟ ويعبّرَ عن ندمه وخوفه من اللهِ، قبل أنْ يلقاهُ وهو غاضبٌ عليه، هذا هو الذي كان على السائل أن يفعلهُ، قبل أن يسألَ عن طلاقِ زوجته، أصلحَ اللهُ أمرَه.
أمّا فيما يتعلقُ بوقوع الطلاقِ من عدمِه؛ فإنّ متعاطيَ المخدرات إذا كان معه نوع تمييز، بحيث يدري ما يصدر عنه من تصرفات؛ قولية أو فعلية -وهو ما يسمى بـالسكران المختلط غير الطافح- فطلاقه واقعٌ لازمٌ له، قال ابن رشد رحمه الله: “السَّكْرَانُ الْمُخْتَلِطُ الَّذِي مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ… تَلْزَمُهُ الجِنَايَاتُ والعِتْقُ والطَّلَاقُ وَالحُدُودُ… وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ” [البيان والتحصيل: 257/4-258].
وأما الطّلاقُ المكرّرَ فيقعُ بعددِ ما كررهُ الزوج، إلا أن ينوي به التأكيد؛ لأنّ الكلام المكررَ يُحملُ على التأسيس، ما لم يُنْوَ به التأكيد، قال الخرشي رحمه الله: “إذَا كَرَّرَ الطَّلَاقَ بِلَا عَطْفٍ بِأَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: … أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتَ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، طَالِقٌ، طَالِقٌ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ الْمُبْتَدَأ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ نَسَقٍ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَمَحَلُّ اللُّزُومِ إنْ لَمْ يَنْوِ التَّأْكِيدَ” [شرح الخرشي: 4/50].
وأما الطلاق زمن الحيض فحرامٌ؛ لمخالفته أمرَ الله تعالى في قوله: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [الطلاق: 1]، ولكنه يعتدُّ به إذا وقعَ، وهو مذهبُ جماهير العلماء، من الأئمة الأربعة وغيرهم؛ لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه (طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَهْيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ رضي الله عنهما ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لِيُرْجِعْهَا، قُلتُ: تُحْتَسَبُ؟ قَالَ: فَمَهْ؟) [البخاري: 4954، ومسلم: 1471].
وعليه؛ فإن كان الحال كما ذكر؛ فقد لزم الزوج ما أوقعه من الطلاق؛ لكونه معه نوع تمييز، ولا عبرة بكونه ناسيًا لتفاصيل المشكلة بسبب تعاطي المخدرات، وكونه أوقعه مكررًا يلزمه بعدده ثلاثًا؛ لأنه ذكر أنه نوى بالتكرار تأسيس الطلاق فيلزمه ما نواه، وقد بانت منه زوجته بينونة كبرى، فلا تحل له مِن بعدُ حتى تنكح زوجًا غيره، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد العالي بن امحمد الجمل
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
22//ربيع الآخر//1447هـ
15//10//2025م