طلب فتوى
الأسئلة الشائعةالعقيدةالفتاوىالقرآن الكريم وعلومه

هل الأرض كروية أم مسطحة؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (6182)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

كثرت الشبهات في هذا العصر عن هيئةِ الأرضِ ودورانها، وانقسم المسلمون إلى قولين، بالسطحية والكروية، وكلٌّ يدعي أن ظاهر القرآن معه، مع تأثرٍ بالدراسات الغربية؛ فنرجو منكم الإجابة بما يزيل هذه الفتنة، علمًا أن المقرر في المناهج التعليمية هو القولُ بكروية الأرض.

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فالمنهج الإسلامي في التعامل مع الشبهات هو تركها بالكلية، مع تعزيز اليقين بصحة أصول الإسلام، وترسيخ الإيمان بها، ورد متشابهات الآيات إلى محكمها، وإن وقعت الشبهة في القلب وتمكنت، وجبَ على صاحبها التوقفُ، واللجوءُ إلى الله وسؤال أهل العلم.

ومن أسس المنهج العلمي الصحيحِ التثبتُ من قول المخالف، وفهم موقفه بصورة صحيحة، مع ترك الظنون العلمية والنظريات التي يدعي البعض أنها حقائق ثابتة، والرجوع في كل علم إلى أهل الاختصاص.

وأما عن هيئة الأرض فما نقل عن بعض العلماء من أنها مسطحة مقصود منه أنها ممتدة سهلة مهيئة للعيش عليها والاستقرار؛ لما فيها من المساحات الواسعة المنبسطة للسير في مناكبها وللقيام بالفلاحة والصناعة والزراعة وما إلى ذلك، وأنها ليست  كلها جبالا وأودية ونتوءات لا يتأتى عليها العيش والاستقرار، فهذا هو معنى تسطيحها وانبساطها؛ في قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾  أي بعد أن خلقها أودع فيها منافعها وجبالها وأرزاقها وما تقوم به الحياة عليها، هذا ما دل عليه القرآن.

أما إنكار كروية الأرض فقد صار اليوم من إنكار الواقع المشاهد المحسوس، فإن صور الأرض تُلتقط من الفضاء العلوي على صورتها الحقيقية في التكوير، وكذلك اختلاف الليل والنهار بين شمالها وجنوبها دليل قاطع على ذلك، فلو كانت الأرض منبسطة على مفهوم هؤلاء بالكلية ولم تكن كروية، فإن الشمس ستشرق عليها جميعا في آن واحد، ولا تغيب عنها، وهذا خلاف الواقع المحسوس.

فالتشكيك في كروية الأرض صار اليوم من التشكيك في المحسوسات.

ونقل غير واحد من العلماء الإجماع على أن الأرض كروية، قال ابن حزم رحمه الله: “الْبَرَاهِين من الْقُرْآن وَالسّنة قد جَاءَت بتكويرها، قَالَ الله عز وَجل: {يكَوِّر اللَّيْل على النَّهَار ويكور النَّهَار على اللَّيْل} وَهَذَا أوضح بَيَان فِي تكوير بَعْضهَا على بعض، مَأْخُوذ من كور الْعِمَامَة، وَهُوَ إدارتها وَهَذَا نَص على تكوير الأَرْض ودوران الشَّمْس كَذَلِك” [الفصل في الملل والأهواء والنحل 2/ 78].

قال ابن تيمية رحمه الله: “وَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ أَنَّ الْأَفْلَاكَ مُسْتَدِيرَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} وَقَالَ: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: “فِي فَلْكَةٍ مِثْلِ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ، وَهَكَذَا هُوَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الْفَلَكُ الشَّيْءُ الْمُسْتَدِيرُ”، وَأَمَّا إجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ:…. وقال الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَد بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْمُنَادِي:.. وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ بِجَمِيعِ حَرَكَاتِهَا مِنْ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مِثْلُ الْكُرَةِ” [مجموع الفتاوى 25/ 193-195].

عليه؛ فالقول الجامع أن الأرض كروية بالكل مسطحة بالجزء؛ لأنها في غاية الكبر والسعة بالنسبة للبشر، فتسطيحها لا ينافي استدارتها، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

عبد الرحمن بن حسين قدوع

عصام بن علي الخمري

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

04/ جمادى الاولى/ 1445هـ

26/ 10/ 2025م      

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق