طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب مِن صحيح التفسير – الحلقة (394)

بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم

المنتخب مِن صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

 الحلقة (394)

[سورة الأعراف: 163-165]

(وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِيهِمۡ حِيتَانُهُمۡ يَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعٗا وَيَوۡمَ لَا يَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِيهِمۡۚ كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ)(163)

جملةُ (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) عطف على (وَاذْكُرْ) المقدر في قوله (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هذِهِ الْقَرْيَةَ) واذكرْ يا محمد إذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية في بيت المقدس، واسألهم عن القرية التي كانت حاضرةَ البحر، فالقرية التي كانوا مأمورين بدخولها هي بيتُ المقدس، والقرية في هذه الآية – المطلوبُ سؤالُ ذرياتِهم عنها – هي (الَّتِي كانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) المطلة على البحر الأحمر، قيل هي إيليَا، وتسمَّى الآن العَقَبة، وقيلَ: طبرِيّة.

والسؤالُ في قوله (واسْأَلْهُمْ) موجهٌ إلى اليهود في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو سؤال تقرير لهم وتقريع؛ للتذكير بما حل بأسلافهم من عقوبة المسْخ، حين اعْتَدَوْا في السبت، وكان ذلك في زمن نبي الله داود صلى الله عليه وسلم، وهذا السؤالُ الذي وجهه القرآن إلى اليهود، هو مِن معجزات القرآن، الدالّةِ على صدقِ النبي صلى الله عليه وسلم، وأنّ ما جاءَ به هو وحيٌ من عند الله؛ لأنّ قصة مسخ هذه القرية لم تذكر في كتبهم، وجاءت في القرآن مفصلةً، على النحو الذي يعرِفونَه فيما بينهم ويخفونه، فمَن أخبر النبي الأمّي صلى الله عليه وسلم بها؟

و(يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ) مِن العَدْو، بمعنى التجاوز والعدوان، وفعله عَدَى يعدُو، والسَّبْت: يصح أن يكون لليوم المعروف من أيام الأسبوع، وأن يكون للمصدر، مِن الفعل سَبّتَ تسبيتًا، بمعنى التعظيمِ المأخوذ من دينهم ليومِ السبت، بالانقطاع فيه للعبادة، وترك الصيد والعمل، وقد حُرّم عليهم العمل والصيد فيه، فتجاوزُوا، واعتَدوا على اليوم ذاتِه، على الزمَن المخصوصِ بذلك اليوم من طلوعِ الفجر إلى غروبِ الشمس، أو تجاوزُوا حُرمَةَ التَّسبيتِ والامتناعِ عن العمل فلمْ يحفَظُوها.

و(حِيتَانُهُمْ) جمع حُوت، و(شُرَّعًا) ظاهرةً يرونها قريبةً من سطح الماء، متتابعةً متكاثرةً في متناولهم، أراد الله أن يَختبرهم؛ ليظهر مدى صدقِ تدينِهم، فابتلاهم بكثرةِ ظهور الأسماك في يوم السبت، الذي حرّم الله عليهم فيه الصيد، وابتلاهم باختفائها في الأيام الأخرى غيرِ السبت، كما قال: (وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ).

والباءُ في قوله (بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) للسببية، والْفِسْق: الخروج عن الطاعة، ومثل هذا الابتلاء والاختبار الشديد الذي بيّناه ابتليناهم، وذلك بسبب فسقهم، فهو مِن تشبيه الشيءِ بنفسه مبالغةً في شدّة الامتحان والاختبار، فإذا أردتَ أن تشبه شدةَ ما وقعوا فيه من الابتلاءِ، فلا تجدُ أبلغ من أن تشبهه بابتلائهم هم، ويجوز فيه غير ذلك كما تقدم في نظيره كثيرا.

وقد تقدّم مزيد تفصيل في تحايلهم على الصيد في يوم السبت في قوله: ﴿وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِینَ ٱعۡتَدَوۡا۟ مِنكُمۡ فِی ٱلسَّبۡتِ﴾([1]) في سورةِ البقَرة.

(وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ)(164-165)

جملةُ (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ) معطوفٌة على قوله (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ) اسأل يا محمد اليهودَ عن أهل القرية التي كانت حاضرةَ البحر، وقتَ أن كان أهلُها يعتدُون في السبت، واسألهم أيضًا عن جماعةٍ صالحة منهم يئسَت من الإصلاح، قالت لجماعة أخرى مثلها مِن الصُّلحاء، لم تزلْ صابرةً تأمر وتنهى ولم تيأسْ، قالت الجماعةٌ الآيِسةُ للآخَرين الواعِظين لقومهم: لِمَ أنتم مستمرونَ في الوعظ والتذكيرِ لقومٍ لا فائدة مِن وعظهم؟ لصدودِهم وعنادهم، فإنّ الله مهلكهم بالاستئصال، وقاطعٌ لدابرِهم، أو معذبهم ومُنْزلٌ بهم العذابَ الشديد؛ عذابَ الدنيا وعذابَ الآخرة؛ لإقامتِهم على المعاصي، التي هي أسبابُ العذابِ والهلاك.

قالوا لهم: لماذا تَعظون قومًا لا جدوى ولا فائدة مِن وعظهم؟ وتَبذُلُون معهم جُهودًا لا طائلَ تحتها، والعذاب حالٌّ بهم في نهايةِ الأمر؛ لإصرارِهم على الكفر.

ردّوا عليهم: استمرارُنا على ذلك إبراءً للذمّة، وإثباتًا للعذر عند الله، إذا سُئلنا: لِمَ لمْ تصبروا على نصحِهم، وَرجاء أن يَتَّقُوا، فقد يهديهم الله بنا، فنكون سببًا في هدايتِهم.

قال هذا القول واعظونَ من الفريق الصالح، احتاطوا لأنفسهم في تحملِ مشقة المضيِّ في الدعوة والإصلاح، فكانوا على منهج الأنبياء والمرسلين.

فـ(أو) في قوله (أَوْ مُعَذِّبُهُمْ) بمعنى الواو، ليستْ مانعة جمع بين الأمرين: الهلاك والعذاب، و(مَا) في (لِمَ تَعِظُونَ) للاستفهام في معنى النفي والإنكار، فلماذا تعظونَهم وهم ميؤوسٌ منهم؟!

و(مَعْذِرَةً) على قراءة النصبِ مفعولٌ لأجله؛ نعظهم لأجلِ المعذرة إلى الله، وعلى قراءةِ الرفع خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ وعظُنا لهم معذرةٌ، ومعذرةٌ مِن العُذر، وهو الدَّفع بما يرفع اللومَ عن النفس، وعُدّيت المعذرة بـ(إلى) لتضمينها معنى الإبْلاغ.

(فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ) لمّا أعرضَ المفسدون عن سماع كلام الواعظينَ الناصحينَ، ونَسُوا ما أُمرُوا به ونُهُوا عنه، نسيانَ إعراضٍ وترك؛ لمّا فعلُوا ذلك وتمادَوا في الإعراضِ والعِناد؛ نَجَّى الله الصالحينَ الذين كانوا يعظُونهم ويَنْهَوْن عن السّوء والفَساد، وأخَذ الظالمينَ بعذاب بئيسٍ شديدٍ، بسبب فسقِهم، وخروجهم عن طاعة الله.

فالنِّسيان في (نَسُوا) هو النسيانُ المؤاخذُ به، لا النسيانُ بمعنى الغفلة التي رُفع عنها القلَم.

و(بَئِيس) مِن البؤسِ كالبأس والبأساء، بمعنى الشدّةِ والمكروه، وفعلُه بَؤُسَ كشَرُفَ، وأكثر ما يستعملُ البؤسُ في الفقر، والبَأسُ في الشدَّةِ والحرْب.

(فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ)(166)

هذا مزيدُ تفصيلٍ لما نَسُوه نسيان إعراضٍ وتَرك، وكان منه التعدّي على الصيد في السّبت، فلمَا بلغ عصيانهم مداه وعَتَوا وتكبّروا عن ترك مَا نُهُوا عنه (قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) مسخَهم الله قردةً بكلمَة واحدة (قُلْنَا لَهُمْ) وهي قوله سبحانه للشيء: كن، فيكون، فهو قولٌ تكويني، لا تكليفي، فمُسِخوا، وعاشوا بعد مسخهم ثلاثة أيام، ثم أُهلِكوا، وقد مرَّ تفسير الآية في قوله: ﴿وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِینَ ‌ٱعۡتَدَوۡا۟ ‌مِنكُمۡ فِی ٱلسَّبۡتِ﴾ في سورة البقرة، وفيها مزيدُ بيان([2]).

 

[1])    البقرة: 65

[2])         البقرة: 65.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق