حكم استعمال السحر وإتيان السحرة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6225)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
كانت بيني وبينَ أهل زوجي مشاكل، حتى سافر إلى العمرة هو وبعضُ أهله، وبقيت أنا في بيته فوق بيت أهله، فجاءني أخي وأعطاني الهاتف، فأمرتني أمي أن أضع سِحرًا في طعام الفطور، حين أفطر مع أهل زوجي، ونأكل منه جميعًا، فأبَيتُ أولا، ثم أطعتُ أمي، فوضعتُ السحر في الطعام، وأكلنا جميعًا، ثم لم نلبث حتى انهارت أختُ زوجي، وظهرت عليها أمارات الإصابة، وأخذوها للعلاج، وشُخِّصت بالإصابة بالسحر، ولا تزال تعالج بالرقية حتى الآن، واعترفتُ بذلك لزوجي، فما حكم فعلي هذا؟ وزوجي يسأل: ما حكم قطعه للصلة بوالديَّ باعتباره متضررًا منهما؟ وما حكم استمرار زواجه مني؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنَّ إتيانَ السحرة وسؤالَهم والاستعانةَ بهم؛ مِن أعظم المنكَرات، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَسَأَلَهُ؛ لَمْ تُقْبَلْ لهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا) [مسلم: 2230].
فالساحرُ على خطرٍ شديدٍ، مِنْ أَهْلِ العلم من يقول بكفره، ومنهم من يقول إن السحر وإن كان لا يُخْرِجُ من الملة؛ فهو من الموبقات من كبائر الذنوب، قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَسَأَلَهُ، فَصَدَّقَهُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) [مستدرك الحاكم: 1/88، وقال: على شرطهما ولم يخرجاه]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (اجْتَنِبُوا الْمُوبِقَاتِ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ) [البخاري: 5764].
قال المواق رحمه الله: “قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إِنَّ السَّاحِرَ كَافِرٌ بِاللَّهِ تَعَالَى: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ كَالزِّنْدِيقِ إذَا عَمِلَ السِّحْرَ بِنَفْسِهِ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ. وَمَنْ لَمْ يُبَاشِرْ عَمَلَ السِّحْرِ، وَجَعَلَ مَنْ يَعْمَلُهُ لَهُ؛ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: يُؤَدَّبُ أَدَبًا شَدِيدًا” [التاج والإكليل: 8/371].
فلا يباشر عمل السحرِ ولا يلجأُ إليه؛ إلا جاهلٌ بالتوحيد، غافلٌ عن مقام ربِّه، ولا يُعِينه عليه إلا ضعيف الإيمان، وما كان السحر لينفع مرتكبَه شيئًا، بل هو لا يزيد الحياة الزوجية إلا تشتتًا وفرقة.
وعليه؛ فالواجب على السائلة وعلى أهلها؛ أن يتوبوا إلى الله تعالى، ويُكثروا من الأعمال الصالحة، بمختلف أنواعها، ويرفعوا الضرر الذي ألحقوه بالناس ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، بالطرق المشروعة، عسى أن يغفر الله لهم ويتوب عنهم، إذْ إن حكم السحر في الدنيا والآخرة لشديد، فعقوبته في الدنيا بين القتل والزجر الشديد، وذلك لما يسببه هذا الجرم من ضرٍر بالغٍ يلحق بالناس، وفي الآخرة بعذاب النار.
ويجوز للزوج قطعُ صلته بمَن أراد به وبأهله السوء من سحر وغيره، من أهل زوجته وغيرهم؛ حتى يتوبوا إلى الله تعالى وتحسُن توبتهم، ويظهر صدقهم، وله فراقُ زوجته وتطليقُها، أو إبقاؤها إذا رأى منها صدق التوبة والندم على ما فعلته، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد الدائم بن سليم الشوماني
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
11//جمادى الآخرة//1447هـ
02//12//2025م