طلب فتوى
الأسئلة الشائعةالأسرةالطلاقالفتاوى

حكم طلاق المسحور

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (6231)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

كنت أعاني من المس والسحر بعد زواجي، منذ سنة 2018م، وأصرع ولا أستطيع سماع القرآن، مع آلام وتعب في البطن، وكنت أتكلم بالكلام ولا أملك إسكات نفسي، كأنّي أسمعه من غيري، وخلال هذه السنة نفسها طلقت زوجتي بلفظ (أنت طالق)، وفي سنة 2020م تكرر إيقاع الطلاق مني باللفظ نفسه، وكنت أنسى ما يصدر مني من فعل أو قول بمجرد انتهائه، ثم مرة أخرى في سنة 2022م – وأنا أعانى من الأعراض نفسها – تكرر مني اللفظ نفسه، وجئتُ إلى دار الإفتاء، وصُرعت من المسّ وأنا في الدار، وسَألتُ عن طلاقي، فأفتاني الشيخ بعدم وقوع طلاقي لأجل الحالة التي كنت عليها، وأرشدني الشيخ إلى التوجه لراقٍ، وبدأت بعدها في العلاج، وخلال هذه الفترة، وقع منى الطلاق مرة أخرى بلفظ: “أنت طالق”، وكنت في مشادة كلامية بيني وبين زوجتي، ولم أقصد التلفظ بالطلاق، ولكن خرج بغير إرادتي، فما هو حكم طلاقي في المرات الأربع؟ مع العلم أنه في كل المرات يخرج اللفظ بغير إرادتي، وكنت لا أستطيع النوم مع زوجتي طيلة هذه المدة.

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإن أثر السّحر على الإنسان له حالاتٌ، منها ما يجعله مَسلوبَ الإرادةِ والإدراك، بحيث لا يدري ما يقولُ، كأن يجد نفسه مجبرًا على التلفظِ بلفظ الطلاقِ، مكرها عليه بسببِ السحر، غير قادر على تركه ولا الانفكاك عنه، فإنّه في هذه الحالة لا يقعُ منه طلاق؛ لأنّه في  حكمِ المجنون فاقدِ العقل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ) [الترمذي: 142]، وقد جاء في المدونة: “قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: مَا نَعْلَمُ عَلَى مَجْنُونٍ طَلَاقًا فِي جُنُونِهِ، وَلاَ مَرِيضٍ مَغْمُورٍ لاَ يَعْقِلُ، إِلاَّ أَنَّ الْمَجْنُونَ إِذَا كَانَ يَصِحُّ مِنْ ذَلِكَ، وَيُرَدُّ إِلَيْهِ عَقْلُهُ، فَإِنَّهُ إِذَا عَقَل وَصَحَّ جَازَ أَمْرُهُ كُلُّهُ، كَمَا يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ” [المدونة: 2/84]، ولأنه في هذه الحالة في حكم المكرَه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَن أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) [ابن حبان: 7219]، وفي المدونة: “قُلْتُ: أَرَأَيْتَ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ وَمُخَالَعَتَهُ، قَالَ مَالِكٌ: لاَ يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ، فَمُخَالَعَتُهُ مِثْلُ ذَلِكَ عِندِي” [المدونة: 2/79].

وهذا في المسحورِ الذي جعله السحرُ مسلوبَ الإرادةِ، بخلافِ المسحورِ الذي لم تصلْ حالته إلى هذا الحدّ، وبخلافِ العاقل المختارِ الذي لم يفقدِ الإدراك، فهذانِ محاسبانِ على أقوالهما وأفعالهما، والطلاق لازم لهما.

وعليه؛ فإن كان الحال ما ذكر، وكان الزوج في المرات الأربع وقتَ إيقاع الطلاقِ مسلوبَ الإرادةِ والوعي، تحتَ وطأةِ السحرِ -كما ذكر- فطلاقُهُ غيرُ واقع، ولا يلزمه رجعة، وليعلم أنّ وقوعَ الطلاق من عدمهِ، متوقفٌ على صدقِ ما أخبرَ به، مِن أنه كان مكرها مجبرا على الطلاق ولا قدرة له على منع نفسه مِن التلفظِ بالطلاقِ ، أمَّا إذا لم يصل به الحال إلى حد الإكراه وكان قادرا على منع نفسه منه فإنّ هذه الفتوى لا تفيدُه؛ لأنّها بُنيتْ على إخبارهِ بعدمِ قدرته على منع نفسه، فإذا كانَ الواقعُ غيرَ ذلك، فالطلاقُ يلزمُه، والفتوَى لا تصلحُ له، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

عبد الدائم بن سليم الشوماني

حسن بن سالم الشريف

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

12/جمادى الآخرة/1447هـ

2025/12/03م   

 

 

 

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق