بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6234)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
من المعاملات الشائعة في السوق الليبي؛ أن يتفق مزارع مع مشتلٍ على الموسم، بأن يتعاقدَا على أن يوفر الثاني للأول عددًا محدَّدًا من الشتلات، وتكون صالحة للغرس بداية الموسم، ويكون الثمن مؤجّلًا بعد اكتمال المحصول، فما حكم هذا العقد، وما حكم ما إذا حصل للمُزارع مشكلة فامتنع عن شراء ما تعاقد عليه من صاحب المشتل، وأخذ منه بعض الشتلات فقط، فقال له صاحب المشتل: “إمَّا أن تأخذها كُلَّها أو لا”، فتركها كلها، فجاءه صاحب المشتل بعد شهرٍ يُطالبه بثمن الشتلات كلّها، وفي بعض الأحوال يطلب صاحب المشتل ثمن الشتلات التي عجز عن بيعها للآخرين، فماذا يلزمُ كلًّا منهما؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنَّ بيع شتلات الزرع على أن يُجهّزها البائع للمُزارع، ويسلِّمَها بعد مدة، يعد من عقود السلم، وهو بيع يتقدم فيه دفع الثمن، ويتأخر فيه تسليم سلعة موصوفة في الذمة غير معينة إلى أجل معلوم، ولو لم تكن موجودة وقت العقد، ما دام يمكن وجودها عند التسليم، وهو جائز بالاتفاق لحاجة الناس إليه؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما، أنّ النبيّ r: (قَدِمَ المدينةَ وهم يُسلِفونَ في الثِّمارِ السَّنةَ والسنتين، فقال: من أسلفَ فليُسلِفْ في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ) [البخاري: 2240].
لكن يشترط لصحة عقد السلم أن يعجل الثمن، بألا يتجاوز ثلاثة أيام من يوم العقد، فإذا تأخر عن ثلاثة أيام ولو بلا شرطٍ، فسدَ العقد، قال الدردير رحمه الله: “فَإِنْ أُخِّرَ بِشَرْطٍ وَإِنْ قَلَّ أَوْ كَثُرَ جِدًّا حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ فَسَدَ اتِّفَاقًا… ثُمَّ الْمُعْتَمَدُ الْفَسَادُ بِالزِّيَادَةِ [أي على ثلاثة أيام] وَلَوْ قَلَّتْ بِغَيْرِ شَرْطٍ” [الشرح الكبير: 3/196]؛ لأنَّ في تأخير رأس مال السَّلَم بيع الكالئ بالكالئ، فعن ابن عمر t قال: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ وَهُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ) [السنن الكبرى: 15375].
وعليه فلا يترتب في ذمة أحدهما على الآخر شيءٌ بهذا العقد لانعدامه وبطلانه، حتى إنهم قالوا لو دفع المشتري ثمنا في السلم الفاسد فليس في ذمة البائع إلا أن يرد للمشتري ما دفعه، ففي شرح التلقين “… أَنَّ السَّلَمَ إِذَا فَسَدَ عَقدُهُ لَم يَستَحِق المُسلِمُ فِي ذِمَّةِ المُسلَمِ إِلَيهِ سِوَى رَأس مَالِهِ الذِي دُفِعَ إِلَيهِ” [شرح التلقين: 2/8].
ويمكن أن تستبدل هذه الصورة الفاسدة الشائعة بين الناس بصورة شرعيةٍ أخرى:
وهي أن يكون الاتفاق بين المزارع وصاحب المشتل على سبيل المواعدة لا البتِّ، فيتواعد المزارع مع صاحب المشتل أنَّه لو وفَّر عدد كذا من صنف كذا وكذا سيشتريها منه بسعر السوق في وقته مثلًا، ويكون الوعد غير ملزم، بأن ينشئ المزارع عقدا مع صاحب المشتل إذا حلَّ الأجل أو أن يترك، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
12/جمادى الآخرة/1447هـ
2025/12/03م