الحبس على الذكور دون الإناث
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6187)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
جاء في وثيقة تحبيس ما نصه: “… أشهدنا على نفسه المكرم الفقيه ع بن س بن خ (عرف) س هـ جـ أنّه حبّس على ابنه لصلبه _ الصغير الآن_ المسمى س جميع أرض السانية – وذكر حدود الأرض الموقوفة – … حبّس ذلك كذلك على ابنه المذكور وعلى أعقابه وأعقاب أعقابه الذكور دون الإناث طبقة بعد طبقة وفرعاً بعد فرع ما تناسلوا وامتد فرعهم في الإسلام لا مدخل للابن مع وجود أبيه، ومن مات عن ابن فابنه منزلة أبيه، ومن مات عن غير ابن فنصيبه لأخيه شقيقه أو لأخيه من أبيه لا مدخل للإناث مع وجود الذكور فإذا انقرضوا من عند آخرهم رجع لح بن المحبس المذكور وأبنائه وأبناء أبنائه الذكور دون الإناث، فإذا انقرض الذكور رجع لبنات ح المذكور وبنات أبنائه الذكور دون الإناث على ما فرض الله ورسوله وجعل لبناته وبنات أبنائه من تأيمت منهن أو لحقتها فاقه أو زمانه تأتي للحبس المذكور وتأخذ ما يسد فاقتها، فإذا تزوجن أو استغنت يسقط حقها منه، وجعل فيه القسمة إن كانوا فيه شركاء أو مع من شاركهم فيه إن أرادوها، حبّس ذلك كذلك حبساً مؤبداً ووقفًا مسرمدًا لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولا يبدل عن حاله ولا يغير حتى يرث الله الأرض ومن عليها… شهد على المحبس المذكور بما فيه عنه وعرّفه وهو بحالة جائزة وعلم صفة الحبس المذكور أوائل شعبان المبارك عام تسعة وتسعين ومائة وألف العبد لله س بن ر أبو ج وفقه الله آمين..”، فما حكم الحبس المذكور في الوثيقة؟ علمًا أنّ المُحبِّس لديه ابنةٌ حال توقيفه على ابنه.
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فهذا من الحبس على الذكور دون الإناث وهو وإن كان مختلفا فيه بين أهل العلم، فالراجح أنه غير جائزٍ شرعًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ) [البخاري: 2587]، وفي المدونة: “رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها إذَا ذَكَرَتْ صَدَقَاتِ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَإِخْرَاجَ الرِّجَالِ بَنَاتِهم مِنْهَا، تَقُولُ: مَا وَجَدتُّ لِلنَّاسِ مَثَلاً الْيَوْمَ فِي صَدَقَاتِهِمْ، إِلّا كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾” [المدونة:4/423]، وقال الإمام مالك رحمه الله في رواية عنه: “إِنَّهُ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ” [شرح الخرشي:5/88]، وهو اختيار الشيخ خليل رحمه الله في المختصر، قال: “وبَطَلَ… – أَيْ الْوَقْفُ – عَلَى بَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ” [مختصر خليل: 212]، وهو المعتمد في أكثر المذاهب.
والحبس على الذكور دون الإناث باطلٌ بالقانون الصادر سنة 1973م، المستند للفتوى الشرعية الصادرة من مفتي ليبيا السابق؛ الشيخ الطاهر الزاوي رحمه الله، التي أيّدها قرار مجلس البحوث والدراسات الشرعية التابع لدار الإفتاء، رقم (1) لسنة 1443هــ 2022م، بتعديل القرار رقم (1) لسنة 1435هـ 2014م بشأن الوقف المعقب، ونصّه:
“1- التأكيد على ما جاء في فتوى دار الإفتاء السابقة، من إلغاء الوقف على الذكور دون الإناث والقانون الذي وافقها في هذا الخصوص.
2- بطلان هذا النوع من الوقف من تاريخ صدور القانون رقم 16 لسنة 1973م، ويعمل بهذا القانون القاضي ببطلان عموم الوقف الذري، بالشق الخاص منه بالوقف على الذكور دون الإناث في الطبقة الأولى خاصة؛ لما فيه من الحيف والجور، دون غيره من الوقف الذري، الذي لا جور فيه؛ لأنه يدخل في أبواب البر….
3- إمضاء الوقف على الذكور دون الإناث الواقع قبل الإلغاء، إن حكم به حاكم؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف.
4- تتم قسمة الوقف الذي حكم ببطلانه على ورثة المحبس الموجودين من الذكور والإناث وقت نفاذ القانون، بتاريخ: 24/ 04/ 1973م، ويعتبر المحبس كأنه مات في هذا التاريخ، فمن مات أصله قبل سنة (1973م) وكان هذا الأصل أنثى؛ فإنه لا يرث، ولا يدخل في القسمة، ومن استحق شيئًا من الموجودين يوم إلغاء الوقف بمقتضى الفريضة الشرعية؛ ذكورًا وإناثًا، فله التصرف في نصيبه بالبيع والهبة ونحوه”.
عليه؛ فيقسم الحبس المذكور – المُفْتَى ببطلانه – على ورثة المحبِّس الذكور والإناث الموجودين في تاريخ: 24/ 04/ 1973م، ويقدّر المحبّس ميّتا في ذلك التاريخ، فمن كانت حيّةً من بنات المحبس في التاريخ المذكور؛ فإن لورثتها المطالبة بنصيبها، ومن توفيت قبل هذا التاريخ؛ فليس لورثتها المطالبة به، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد العالي بن امحمد الجمل
عبدالرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
05//جمادى الأولى//1447هـ
27//10//2025م