بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6200)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
أنا (ف م ح) ولديَّ ستة إخوة، ورثنا فيما ورثنا عن أبينا قطعة أرض مروية، لا تزال مملوكة للجميع على الشيوع، وقطعة أرض أخرى صغيرة مساحتها: (7500م)، ثم لظروف معينة طالبتُ بالأرض الصغيرة هذه، على أن تكون جزءًا من نصيبي في الميراث، وقد عانيت في هذه الأرض ما عانيت، لكونها أرضًا منخفضةً، تجتمع فيها مياه الأمطار ويصعب البناء فيها، إلى غير ذلك، ثم اتفقنا على قسمة الأرض الأولى، والتراضي في مسألة الواجهات ونحو ذلك، وصح لي في القسمة الأخيرة (8500 م)، لكن لما جئنا لاختيار المواقع، أحضر أخي متخصصًا في رفع المساحة، وقام باختيار جهة كل وارث، فوافق البعض، ورفضت أنا الجهة التي اختارها لي، لكونها منخفضة أيضًا، ولا تصلح للبناء، وفيها المعاناة التي عانيتها في الأرض الأولى، وبعد أخذ وردٍّ، وجدال ونقاش، حلفت بقولي: (عليَّ الطلاق مائة مرة ماني واخذ هذا المكان)، وإلى اليوم لم تتم قسمة الأرض، ولا تزال على الشيوع، وقد سألت قديما الشيخ محمد الزالط عن المسألة، فقال لي: تعتبر الزوجة طالقا إذا قبلت بهذه الحصة من الأرض في هذا المكان، فهل هناك مخرج شرعي للطلاق، بحيث أتنازل عن نصيبي من الشيوع لزوجتي وأولادي، أو أبيعه لهم بسعر رمزي؛ لأني لا أرغب في إطالة المدة وتعطيل باقي الإخوة؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنّ حلفَ الزوج بالطلاق مائة مرة، على عدم أخذه جهة معينة من الأرض في نصيبه؛ هو طلاق معلق، يقع ثلاثًا متى وقع الشيءُ المحلوف عليه، والسبع والتسعون الباقية؛ اتخذ بها آيات الله هزؤًا كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما.
والأصل عند اشتراك مستحقين لأرض على الشيوع؛ أن يتراضوا فيما بينهم على قسمة جهات الأرض، ويتنازل كل منهم بالقدر الذي يحصل به رضَا الجميع، فإن تنازعوا فيما بينهم ولم تمكن المراضاة في توزيع الجهات؛ فالواجب الإقراع بينهم، قال القرطبي رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: (وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ) [آل عمران: 44]: “اسْتَدَلَّ بَعْضُ عُلَمَائِنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى إِثْبَاتِ الْقُرْعَةِ، وَهِيَ أَصْلٌ فِي شَرْعِنَا لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الْعَدْلَ فِي الْقِسْمَةِ، وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي الْمُسْتَوِينَ فِي الْحُجَّةِ لِيَعْدِلَ بَيْنَهُمْ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ وَتَرْتَفِعَ الظِّنَّةُ عَمَّنْ يَتَوَلَّى قِسْمَتَهُمْ، وَلَا يَفْضُلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ إِذَا كَانَ الْمَقْسُومُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ اتِّبَاعًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ” [تفسير القرطبي: 4/86].
وعليه؛ فإن رضي السائل بهذه الجهة من الأرض في نصيبه؛ فقد لزمه طلاق الثلاث، وبانت منه زوجته بينونة كبرى، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، وينبغي للورثة تغليب الصلح والمراضاة بينهم، أو الاقتراع على جهات أنصبتهم وأماكنها، وينبغي لهم تجنيبُ أخيهم مغبةَ الطلاق، والأرضَ التي أكرهوه عليها، فذلك خير لهم وأولى، وأجدرُ ألا يُفَرِّقَ المالُ بينهم، ويُوصِلَهم النزاعُ في متاعٍ زائلٍ إلى الشقاق والقطيعة.
ولا يفيد السائلَ بيعُ حصته أو هبتُها لزوجته أو أحد قرابته؛ لأن بيعه لها لا يكون إلا بعد الرضا بها وتملُّكِهَا، وبمجرد رضاه يقع عليه الطلاق، فلا تنفعه هذه الحيلة، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد العالي بن امحمد الجمل
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
12//جمادى الأولى//1447هـ
03//11//2025م