حكم الطلاق بالثلاث في لفظ واحد حال الغضب الشديد
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
رقم الفتوى (6147)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
أنا (م ن)، حدثت مشادة كلامية بيني وبين زوجتي، وأنا في اتصال هاتفي معها، فقلت لها: (طالق بالثلاثة)، صدرت مني هذه الكلمة وأنا في حالة غضب، ولم أشعر بصدورها إلا بعد تلفظي بها، فهل الطلاقُ واقع؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن العقل هو مناطُ التكليف والمؤاخذة بالأقوال والأفعال، فإذا كان المطلِّقُ يعي ما يقول، ويقصد ما تكلم به، فالطلاق واقعٌ، ولو صدر منه في حالة غضب، قال الصاوي رحمه الله: “يَلْزَمُ طَلَاقُ الْغَضْبَانِ، وَلَوْ اشْتَدَّ غَضَبُهُ، خِلَافاً لِبَعْضِهِمْ، وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يَغِبْ عَقْلُهُ، بِحَيْثُ لاَ يَشْعُرُ بِمَا صَدَرَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ كَالْمَجْنُونِ” [بلغة السالك: 2/351].
وقول السائل: (لم أشعر بصدور كلمة الطلاق إلا بعد تلفظي بها) لا يدل على أنه كان فاقد الوعي حين الطلاق؛ لأنه تنبه لما تلفظ به بنفسه، ولو كان فاقدا للوعي لمَا أمكنه التنبهُ إلا إذا نبهه غيره، نقل الصاوي عن ابن ناجي: “وَأَمَّا لَوْ قَالَ وَقَعَ مِنِّي شَيْءٌ وَلَمْ أَعْقِلْهُ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ، لِأَنَّ شُعُورَهُ بِوُقُوعِ شَيْءٍ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ عَقَلَهُ” [حاشيته على الشرح الصغير: 544/2].
وطلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع ثلاثًا، ويعدّ بينونة كبرى؛ لأن عامة العلماء من المذاهب الأربعة المشهورة وغيرها، على أنّ طلاق الثلاث في كلمةٍ واحدةٍ يلزمُ منه الثلاث، وحكى كثير من العلماء الإجماع على ذلك، قال القرطبي رحمه الله: “قال علماؤنا: واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الثلاث في كلمة واحدة…” [الجامع لأحكام القرآن: 3/129]، وممن حكى الإجماعَ عليه؛ أبوبكر الرازي، والباجي، وابن العربي، وابن رجب الحنبلي.
وعليه؛ فما دام الزوج مدركًا لما تلفَّظ به، فطلاقُه واقع، ولزمتهُ الطلقاتُ الثلاث، وبانت منه زوجته بينونةً كبرى، فلا تحلّ له حتى تنكحَ زوجًا غيره نكاح رغبة، ثم يطلقها أو يموت عنها؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:230]، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عبد العالي بن امحمد الجمل
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
07// ربيع الآخر// 1447هـ
30//09//2025 م