حكم تضمين المصحف الإلكتروني فيديوهاتٍ وصورًا تحاكي ما أخبر الله به في كتابه
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6149)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
أنا باحثة في مرحلة الدكتوراة، في الدراسات الإسلامية والعلوم التقنية، أسأل عن حكم إعداد تطبيق المصحف الإلكتروني بتجرِبة الواقع المعزَّز، حيث يتم دمج صور وفيديوهات وشروحات تحاكي الآيات القرآنية، وتقربها للأذهان، بهدف تقريب المفاهيم القرآنية لهذه الأجيال، المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالهواتف والأجهزة الذكية.
الجواب:
الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فلا شكَّ أن مِن أشرفِ ما يقضي فيه الإنسانُ عمرَه، خدمةَ كتابِ الله تعالى، دراسةً وتدريسًا وتدبّرًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيرُكم مَن تعلّم القرآنَ وعلمَه) [رواه أبوداود والترمذي]، ولقد كان السلفُ الأولون حريصين غايةَ الحرص على إجلال كتاب الله تعالى وصيانته، حتى إنّهم نهَوا عن أن يُكتبَ في المصحف ما ليس منه، مخافةَ أن يختلط به مع مرور الزمن، فعن أبي بكر السراج قال: “قلتُ لِأَبِي رَزِينٍ: أَكتبُ فِي مُصْحَفِي سُورَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: لَا، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَنْشَأَ قَوْمٌ لَا يَعْرِفُونَهُ فَيَظُنُّوا أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ” [فضائل القرآن للقاسم بن سلام:395]، وعن أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: “أَتَيْتُ إِبْرَاهِيمَ بِمُصْحَفٍ لِي مَكْتُوبٌ فِيهِ سُورَةُ كَذَا وَكَذَا آيَةً، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: امْحُ هَذَا، فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَكْرَهُ هَذَا، وَيَقُولُ: لَا تَخْلِطُوا بِكِتَابِ اللَّهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ” [المصاحف لابن أبي داود:512]، هذا فيما يتعلق بكتابة شيء في المصحف ليس منه، تفسيرًا كان أو شرحًا لأحكام التجويد، الأمر الذي وقع فيه توسُّعٌ في الآونة الأخيرة، أمّا تضمين المصحف الإلكتروني فيديوهاتٍ وصورًا تحاكي ما أخبر الله به في كتابه مِن الغيب، كأهوالِ يوم القيامة، وعذابِ النار ونعيمِ الجنة، ونحوِ ذلك ممّا استأثر بالعلم بكيفيته ربُّنا سبحانه وتعالى، فيُعدُّ ممنوعا شرعًا؛ لما في ذلك من التدخل في الكيفية التي أمَرَنا اللهُ أن نؤمن بها، متدبّرين في معناها، متصورينَ في أذهاننا ما لا يجزمُ أحدُنا بكونه الكيفيةَ القطعية لما أخبر الله به، والإيمانُ بما جاء في القرآن والسنة، من أهوال القيامة والجنة والنار، وأحوال أهل القبور، هو مِن الغيب المطلَق، الذي لا سبيل لمعرفة كيفيته وشكله إلّا عن طريق الوحي، والوحيُ انقطعَ بموتِ النبي عليه الصلاة والسلام، ولأنّ القصورَ طبيعةُ البشر، وقد يقع بهذه الصور والفيديوهات قصورٌ في وصف تلك المشاهد، أو وصفٌ لها على غير ما هي عليه، ما قد يترتبُ عليه إخلال بالمقصَد الأصيل مِن تغييبِ الكيفيةِ عن البشر، ليحصلَ بذلك كمالُ التدبّر والتفكّر، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
أحمد ميلاد قدور
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
08/ ربيع الآخر/ 1447هـ
01/ 10/ 2025م