بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6135)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
طلقتُ زوجتي ثلاثَ طَلَقات متفرقات، الأولى في حالة غضب، قلت لها: أنتِ طالق، ثم سألتُ عنها، فقيل لي: إنها واقعة، وأمرني الشيخ بإرجاعها بالقول وإخراج كفارة، ففعلتُ، ثم بعد زمن حصل خصام بيننا بسبب المرتب الذي تتقاضاه هي، فحلفت عليها بقولي: “عليّ الطلاق ما عاد واكل من مرتبك شي”، وكنتُ مرة على وجبة الإفطار مع الأبناء، فأكلتُ معهم، وكان من جملة الفطور “زميتة”، كانت هي قد اشترتها ولا علمَ لي، فسألتُ عن هذه الواقعة الشيخ، فأمرني بإرجاعها بالقول وإخراج كفارة، ثم بعد زمن جلسنا لوجبة الغداء، وكان الغداء من مالي، سوى البطاطا والدجاج، فأكلتُ مِن المرق، ثم انتبهنا للحلف الذي كنت حلفته سابقًا، فنرجو منكم بيان الرأي الشرعي.
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنَّ الحلفَ بالطلاق؛ مِن قَبِيل الطلاق المعلَّق، ولا يقع إلَّا بوقوع الأمر الذي عُلِّق عليه؛ لما جاء عن نافع رحمه الله أنه قال: “طَلّقَ رَجُلٌ امْرَأتَهُ البَتَّةَ إِنْ خَرَجَتْ، فَقَالَ ابنُ عُمَر رضي الله عنهما: إِنْ خَرَجَتْ، فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَخرُجْ، فَلَيْسَ عَلَيهِ شَيْءٌ” [البخاري: 7/45].
ومن حلفَ بالطلاق على شيء، أو علقَه عليه، فوقع المحلوف عليه؛ كان الطلاقُ واقعًا وانحلتْ به اليمين، وهو طلاق رجعي إن كانت الطلقة الأولى أو الثانية، وله إرجاع زوجته ما لم تخرج من العدة، وليس عليه كفارة، ولا يتكرر وقوع الطلاق بوقوع الشيء المحلوف عليه مرة أخرى، ما لم يحلف بلفظ يفيد التكرار، روى ابن رشد عن مالك رحمه الله أنه سئل عن رجل قال لامرأته: أنت طالق واحدة إن بتُّ عنكِ، فبات عنها، فطلقت منه بواحدة، ثم ارتجعها، ثم بات عنها بعد ذلك ليالي، قال: “لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلَّا الأُولَى” [البيان والتحصيل: 5/357]، وقال خليل رحمه الله: “وَلا يَتَكَرَّرُ الْحِنْثُ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ مَا لَمْ يَكُنْ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ، مِثْلُ: كُلَّمَا، وَمَهْمَا، وَفي مَتَى مَا اضْطِرَابٌ، أَوْ قَصَدَ إِلَيْهِ، أَوْ كَانَ الْقَصْدُ الْعُرْفِيُّ كَمَنْ حَلَفَ لا يَتْرُكُ الْوِتْرَ فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ التَّرْكِ” [التوضيح: 3/327].
وعليه؛ فإن كان الحال كما ذكر، فقد وقعت الطلقتان المذكورتان في السؤال، وهما رجعيتان، وقد انحلت اليمين المذكورة بالطلاق الثاني، فلا يلزمه شيء بأكله من المرق الذي ذكره في السؤال، فلا يتكرر وقوع الطلاق بتكرر وقوع الشيء المحلوف عليه، وهو الأكل من مال الزوجة في المستقبل.
والواجب على السائل أن يتقيَ الله تعالى، ويتجنبَ الحلف بالطلاق، لأنّه من عادات الفساق الممنوعة، وليحذر من تجدد إيقاعه الطلاق، لأنه لم يبق لديه سوى طلقة واحدة، إذا أوقعَها؛ لم تحلَّ له زوجته مِن بعدُ حتى تنكح زوجًا غيره، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد العالي بن امحمد الجمل
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
29//ربيع الأول//1447هـ
22//09//2025م