طلب فتوى
المنتخب من صحيح التفسيرمؤلفات وأبحاث

المنتخب مِن صحيح التفسير – الحلقة (390)

بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم

المنتخب مِن صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

 الحلقة (390)

[سورة الأعراف: 148-151]

(وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ)(148-149)

بعد خروجِ موسى عليه السلامُ إلى الطُّور لمناجاةِ ربّه؛ ليتلقّى التوراة، نكَصَ قومُه في غيابِهِ على أعقابِهم، واتخذُوا تمثالًا مِن الذهب على صورةِ العجلِ، إلَهًا يعبدُونه، جمعوه مِن حُليِّهم وحليِّ نسائِهم، أذابُوه، وصنعُوا منه تمثالًا على صورةِ العجلِ، جسدٌ وجسمٌ لا حَراكَ فيه، والذي صنعَه لهم هو السامِريّ، كما قال تعالى: ﴿‌وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِیُّ﴾([1]).

ونِسبةُ اتخاذِه في قوله (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى) إليهم جميعًا، يؤكدُ القاعدة الفقهية: (التركُ فعلٌ)، وأنَّ الساكتَ على المُنكَر -رِضًى به- هو والفاعلُ سواءٌ.

و(لَّهُ خُوَارٌ) صنعُوا له ما يحركُ الهواءَ في جوفِه، ويضيّق مخرجَ الهواء مِن خلال أنابيبَ بداخِله، تجعلُ الهواءَ يخرج مضغوطًا، ويصوِّتُ كما يُفعلُ بالمزمارِ، والخُوَار: صوتُ البقَر، فجَعلوا له بالصَّنعةِ ما يشبهُ صوتَ البقر، وتحلَّقُوا عليه، ورقصُوا حولَه، وقالوا: لن نبرحَ ولن نتركَ الرقصَ حوله عاكفِينَ ملازمينَ لعبادتِه، حتى يرجعَ إلينا موسَى.

فـ(مِن) في قوله (مِن بَعْدِهِ) ابتدائية، ابتدأوا هذا الشركَ بعد غيابه، و(مِن) في قوله (مِنْ حُلِيِّهِمْ) تبعيضية، اتخذوا العجلَ وصنعوهُ من بعضِ حليِّهم وحليِّ نسائِهم، والحُلِيّ: جمع حَلْي، وهو ما تتزينُ به النساءُ مِن الذهب.

والاستفهامُ في قوله (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ) للتوبيخِ والتعجيبِ من حالِهم، حيثُ جَعلوه إلهًا، وهم يرونهُ أضعفَ المخلوقاتِ؛ جَسدًا ميتًا، لمْ يَرْقَ حتى إلى مُستوى أن يكلّمهم، وأن يردّ عليهم إذا كلموه، أو يهديَهم سبيلًا ويُرشدَهم لو استرشدُوه، وليس معنى هذا أنهُ لو اتصف بذلك وكلمَهم يصلُحُ أن يكونَ إلهًا، ولكن قيلَ لهم ذلك؛ للمبالغة في توبيخهم على اتصافهم بفرْطِ الغفلةِ والحمْق، والبعدِ في الإعراضِ، بعبادةِ جمادٍ أصمَّ أبكمَ، لا يشعُرُ بشيءٍ ولا يَنطِقُ.

وأُعيدَ قوله (اتَّخَذُوهُ) مرةً أخرى؛ للتشنيعِ عليهم باتخاذِ العجل، ولربط الكلامِ بقوله (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى) لبُعدِ الفصْلِ.

(وَكَانُواْ ظَالِمِينَ) بوضعِ الأمور في غيرِ موضعِها، ووضعُ الأمورِ في غير موضعِها كان دأبَهم وعادتَهم، هذا على أنّ الواوَ في قوله (وَكَانُواْ) اعتراضيةٌ، وعلى أنها حاليةٌ، فالمعنى: اتخذوهُ والحالُ أنَّهم كانوا ظالمين، مستمرّينَ على الظلمِ.

والتركيبُ في قوله (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ) يُصوّر حالةَ مَن يُنبَّهُ ويفاجأُ بالحجةِ التي تدمَغُ فسادَ ما كانَ عليه، فينْدَم ندمًا شديدًا، يجعلهُ عاجزًا أن يدافِعَ عن فسادِه، فيُقال عنه: أُسْقطَ في يده، وقد حصلَ لهم هذا الحال، بعد أن رجعَ إليهم موسى غاضبًا عليهم وعلى أخِيه، وبَيَّن لهم قبحَ مَا وقعُوا فيه من الضلال، ففي الكلامِ تقديرٌ دلَّ عليه ما بعدَه، فلما رجعَ موسى وبَيَّن لهم قبح ما فعلوا، ندِمُوا وسُقِط في أيدِيهم فلم يَقدِروا أن يدافعوا عن أنفسهم (وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا) عَلِموا ضلالَهم وتَيقَّنوه، كأنّهم يرونَه رَأيَ العَين (قَالُوا) قالَ بعضهُم لبعضٍ، مؤكدينَ قولَهم بالأيْمان (لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) واللهِ لئنْ لم يرحمْنا ربُّنا لنكونَنَّ مِن الخَاسِرِين، فاللامُ في (لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا) موطّئةٌ للقَسم، واللامُ في (لَنَكُونَنَّ) جوابُ القسم، سَدّت مَسدَّ جواب (إنْ) الشرطية، وقدَّمُوا في مسألتهم الرحمةَ على المغفرةِ (يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا) لأنَّ الرحمةَ وسيلةٌ، إذا حصَلتْ حصَلتِ المغفرَة.

(وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓۖ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيۡهِۚ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِأَخِي وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَۖ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ)(150-151)

لما رجعَ موسى إلى قومِه من الطورِ مِنِ ميقاتِ ربِّه، ومعه ألواحُ التّوراة، وكان قد خَلَّفَ على قومِه أخاهُ هارون، يَسوسُهم في غَيبتهِ، غَلَب القومُ هارون، واستضعَفُوه، وعبدُوا العجلَ، وعَجَزَ عن منعِهم.

وقوله (رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا) رجعَ إليهم في هذه الحالة مِن الغضبِ والأسَف والحزنِ الشَّديد، بسببِ ما فعلوه، وكان اللهُ قد أعلمَ موسى بما آلَ إليه حالُهم قبل رجوعهِ إليهم، فقد قال له: ﴿فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ ‌وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِیُّ﴾([2])، فغَضْبَانَ في قوله (غَضْبَانَ أَسِفًا) صفةُ مبالَغة للغاضِب، وأسِفًا: صفةُ مبالغةٍ للآسِف، وهو الحزينُ، قال موسى عند رجوعهِ مخاطبًا عبدةَ العِجل (بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي) بئسَ الفعلُ ما فعلتمُوهُ مِن بعْدي في غَيبَتي، وأعقبتُمونِي عليه، وهو عبادتُكم العجلَ، فبئسَ الخلافَة خَلَفتمُونيها خِلافتُكم، فخلافتُكم بعبادةِ العجل هو المخصوصُ بالذمّ، فالذمُّ ليس على الخلافَة في ذاتِها، وإنما على عدَم عمَلهم بمقتضاها، فبِئْسَ: من أفعال الذم، ومَا: نكرة موصوفةٌ، فاعلٌ، واقعةٌ على المخصوصِ بالذمّ.

وقوله (مِن بَعْدِي) معلومٌ أن خلافتَهم له هي مِن بعدِه، فـ(مِن بَعْدِي) للتأكيد؛ لأنها بمعنى الخلافَة، كما في قوله: ﴿یَقُولُونَ ‌بِأَفۡوَٰهِهِم﴾([3]) وفي: ﴿فَخَرَّ عَلَیۡهِمُ ‌ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ﴾([4])، وذلك مبالغةً في التغليظِ عليهم، وتشنيع أمرِ ما ارتكبُوه مِن بعدِه.

و(أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) أعَجِلْتم ما توعَّدَكُم به ربُّكم من الثُّبورِ والهلاكِ في قوله (إِنَّ هَؤلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ) حين قُلتُم (اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ) وبادرتُم بالإشراك به، ولم تنتظرُوا بعد التحذيرِ لتتأمّلوا وتُراجِعُوا أمرَكم؟ لقد بادرتُم إلى العصيانِ سريعًا بعدَ النهي، وما تحذيرُكم منه ببعيدٍ، كما قال لهم في موضعٍ آخر: ﴿‌أَفَطَالَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن یَحِلَّ عَلَیۡكُمۡ غَضَبࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِی﴾([5]).

فالاستفهام في قوله (أَعَجِلْتُمْ) للذمِّ والتقريعِ.

(وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ) رمَى موسى عليه السلام الألواحَ من يده غضَبًا لله؛ لِـمَا رأى من المنكر الذي هم عليه، ولِيكونَ الإنكارُ عليهم أشدّ (وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) أخذَ برأس أخيه هارون يجرُّه إليه مِن شعرِ رأسِه ولحيته مُغضَبًا، فعلَ موسى ذلك تعبيرًا عن غضبِهِ منه؛ لأن هارونَ عليه السلامُ لم يقمْ بسياسة قومهِ على الوجه الذي أرادَه منه، من تغييرِ المنكرِ باليَدِ، ومَنعِهم مِن الشرك.

وكان ذلك قاسيًا على هارون، فاستعطفه وقال كما في الآية الأخرى: ﴿یَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ ‌بِلِحۡیَتِی وَلَا بِرَأۡسِیۤ﴾([6])، وقوله (قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي) اعتذار من هارون لموسى عليهما الصلاة والسلام، قال له في اعتذاره: إنَّ القومَ استضعَفونِي؛ وجدُونِي لَيِّنَ الجانب، فلم يهابُوني، وتجرؤُوا عليَّ، وهَدَّدُوني، حتى كادُوا يقتلونَنِي، ولعلَّ هذا القولَ من هارون سبقهُ قولُه في الآية الأخرى: ﴿یَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ ‌بِلِحۡیَتِی وَلَا بِرَأۡسِیۤ﴾([7])، واعتذرَ له أيضًا بقوله: ﴿إِنِّی خَشِیتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَیۡنَ بَنِیۤ إِسۡرَٰۤءِیلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِی﴾([8])، ويكونُ قولُ هارون (إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي) وقعَ بعدَ ذلك.

ومناداةُ هارون له بقوله (ابْنَ أُمَّ) لاستعطافِه، واستجلابِ لطفِه، وليُذكِّرهُ بأنهما من رحِمٍ واحدٍ، وإلاّ فهُما شقيقانِ، واعتذارُ هارونَ لموسى: ﴿إِنِّی خَشِیتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَیۡنَ بَنِیۤ إِسۡرَٰۤءِیلَ﴾([9])، لم يشفعْ له عند موسى بعدمِ المؤاخذة، مما يدلُّ على أن التعللَ في تركِ منعِ المنكرِ الغليظِ، تحتَ شعارِ خوفِ الفتنةِ والشِّقاق، لا يُقبلُ بإطْلاقٍ.

وقوله (فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَآءَ) من شَمِتَ كفَرح، مِن الشَّماتةِ: فَرَح النفسِ بمُصابِ غيرها، وهي خُلقٌ ذميمٌ، خُلقُ المنافقين، يحمِلُ عليه الحسَد، قال تعالى: ﴿إِن تَمۡسَسۡكُمۡ ‌حَسَنَةࣱ ‌تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَیِّئَةࣱ یَفۡرَحُوا۟ بِهَا﴾([10]).

فما يخطُر مِن الحسَد بالبال مِن الارتياح له لأوّل الخاطِرِ معفوٌّ عنه، فإذا ما كرهَه صاحبُه فورَ وقوعه نَجا، وإذا ما استقرّ في النفس كانَ من أفعالِ القلوب، مؤاخَذًا عليه، شَماتةً وحسدًا محرّمًا مِن الكبائر، فعلى المسلمِ إنِ ارتاحَت نفسُه لمصيبة نزلتْ بأحدٍ، أن يدفعَها مِن أولِ خاطرةٍ ويتوبَ منها ليَسْلَم، ولا يتركَها تستقرُّ في قلبِه.

والأعداءُ في قول هارونَ (فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَآءَ) هم من كانَ هارونُ ينهاهُم عن عبادة العجل، وكانوا يعادُونه.

ثم قالَ هارونُ لأخيهِ (وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الذين عبدُوا العجل، فإني مانَعتُهم منه جُهْدِي، وما رَضِيتُ به لهم، فلا تجعلني معهم، قال موسَى عندَ ذلكَ (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي) دعَا موسى ربَّهُ بالمغفرة؛ لِمَا بدَرَ منه مِن الغضبِ، ولأخيهِ الذي ضَعُفَ في سياسةِ قومِه (وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ) فإنكَ خيرُ مَن يرحَم، وسِعَتْ رحمتُك كلَّ شيءٍ (وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).

 

[1])         طه:85.

[2])         طه:85.

[3])         آل عمران:167.

[4])         النحل:26.

[5])         طه:86.

[6])         طه:94.

[7])         طه:94.

[8])         طه:94.

[9])         طه:94.

[10])       آل عمران:120.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق