حكم طلاق السكران الطافح
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى (6142)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
أنا (س ع)، طلقت زوجتي بسبب عدم رجوعها إلى بيت الزوجية، وبقائها في بيت أهلها، مدعيةً مرض أمها، فطلقتها عن طريق الهاتف، وبعد أيام ذهبتُ إلى بيت أهلها وطلبتُ منها الرجوع مجددًا، فطردتْني أمّها مِن البيت، فاتصلتُ بزوجتي وطلقتُها مرتين متفرقتين، خاطبتُ أمها في إحداهما قائلًا: (بنتك مطلقة)، وكنت حينها في حالة سُكْرٍ، فأثّر ذلك على تصرفاتي في ذلك اليوم، فصدر مني طلاق زوجتي، وتشاجرتُ مع أخي، فهل الطلاق واقع؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنّ ما ابتُليَ بهِ السائل مِن شرب الخمر، الذي أخرجَه من دائرة العقلاءِ، محرَّمٌ من كبائر الذنوب، حيث وضع نفسه في منزلةِ الحيواناتِ غيرِ العاقلةِ، ورضي أن يضع نفسه هذا الموضعَ الذي يُغضِبَ اللهَ، فإن الله حرَّم الاعتداء على العقل، كما حرَّم الاعتداء على الدماء والأموال والأعراض، وشدَّدَ في شرب الخمر الذي يذهب العقل، وجعلَهُ رجسًا مِن عملِ الشيطانِ.
والسائل لم يُبَالِ بهذا كله، ولم يَشْعُرْ بالندم، ولا بالخوفِ من الله تعالى؟ وكل ما أهمّه في الأمر وأقضَّ مضجعه، هو مجرّدُ سؤاله عن طلاق زوجته؛ هل وقعَ أم لا؟ وكانَ الأجدرُ به أنْ يسألَ: كيفَ أصنعُ لأتوبَ إلى اللهِ من هذه المعصيةِ الكبيرةِ، ليقبلَ اللهُ توبتي؟ وما السبيلُ إلى ذلك؟ ويعبّرَ عن ندمه وخوفه من اللهِ، قبل أنْ يلقاهُ وهو غاضبٌ عليه، هذا هو الذي كان على السائل أن يفعلهُ، قبل أن يسألَ عن طلاقِ زوجته، أصلحَ اللهُ أمره.
أمَّا فيما يتعلَّقُ بوقوع الطلاقِ من عدمِه؛ فإنَّ العقل هو مَناطُ التّكليفِ والمؤاخذةِ بالأقوالِ والأفعال، فإذا كان المطلِّقُ يعِي ما يقول، ويقصدُ ما يَتكلّـمُ به؛ فالطلاق واقعٌ، وأمّا إن غابَ عقلُه، فلم يدركْ أو يعلمْ ما صدرَ منه، وطلّقَ في هذه الحالة، فلا يقع طلاقه ولا شيءَ عليه؛ لأنَّه صار في حكم المجنون، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَن ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظِ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ المجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ) [أَبُودَاود: 4398]، وفي المدوّنة: “قَالَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ رحمه الله: مَا نَعْلَمُ عَلَى مَجْنُونٍ طَلَاقًا فِي جُنُونِهِ، وَلاَ مَرِيضٍ مَغْمُورٍ لاَ يَعْقِلُ، إِلاَّ أَنَّ المجْنُونَ إِذَا كَانَ يَصِحُّ مِن ذَلِكَ، وَيُرَدُّ إِلَيْهِ عَقْلُهُ، فَإِنَّهُ إِذَا عَقلَ وَصَحَّ جَازَ أَمْرُهُ كُلّهُ، كَمَا يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ” [المدونة: 2/84].
عليه؛ فإن الطلقة الأولى التي أوقعها الزوج على زوجته لازمةٌ له، وأما الثانية والثالثة؛ فإنْ كانَ الواقع كما ذُكِر في السؤال، من أنَّ الزوجَ وقت إيقاع الطلاقِ لم يكن مدركًا لما يقول بسببِ شربه الخمر؛ فلا يلزمُه الطلاقُ، ولكنه آثمٌ مستوجبٌ لغضب الله، بارتكابه كبيرةً من كبائر الذنوب، وهي إدخال السُّكْرِ على نفسه، الذي بسببه أوقع الطلاقَ على زوجته، فعليهِ أن يتوبَ مِن هذه الكبيرة.
وليعلمِ الزوجُ أنَّ وقوعَ الطلاق من عدمهِ متوقِّفٌ على صدقِه فيما أخبرَ به، مِن عدمِ إدراكه لما وقعَ منه مِن التلفُّظِ بالطلاقِ، وأمَّا إن كان الواقعُ خلافَ ما ذَكَر، بأن كان مدركًا لما وقَع منه من الطلاقِ؛ فإنّ هذه الفتوى لا تفيدُه؛ والطلاقُ لازمٌ له، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عبد العالي بن امحمد الجمل
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
29// ربيع الأول// 1447 هـ
23// 09// 2025م