بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
رقم الفتوى (6220)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:
أنا (ح م ش)، متزوج منذ قرابة شهرين، وقد طلقت زوجتي الطلقة الأولى بتاريخ: 2025/10/18م، بقولي: “عليَّ الطلاق بالثلاثة كان تطلعي من الحوش تحرمي عليَّا”، وخرجَتْ، فسألت الشيخ عبد العالي الجمل فأخبرني أن بإمكاني إرجاعها، ولكنّ والدها رفض، وطلب فتوى مكتوبة من دار الإفتاء، فأرجو إفتائي في المسألة.
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن التلاعب بألفاظ الطلاق بهذه الصورة، وإطلاقها عند أول غضب، خصوصًا في أوّل العهد بالزواج، يدل على الطيش وخفة العقل، والاستهتار بالمسؤولية الشرعية، التي جعلت العصمة بيد الزوج، وهذا من أخطر ما يهدّد البيوت، ويعرّض الزوجين للحرام البيّن، فالطلاق كلمةٌ عظيمة، جعلها الله مخرجًا عند تعذر أسباب الاستمرار، بعد استيفاء كل سبل الإصلاح، لا ليجعله الرجل سلاحا يستعمله عند كل نزاع، فليتقِ اللهَ ربَّه، وليحفظ لسانه، ولْيعلم أنّ الله سائله يوم القيامة، وأنّ دوام الحياة الزوجية يقوم على الحكمة وضبط النفس، وكفّ اللسان عن العبارات التي تهدم ولا تصلح، نسأل الله أن يصلح حاله.
وأما عن حكم الطلاق؛ فإن اللفظ الذي استعمله السائل يلزم منه توقف الطلاق الثلاث على اجتماع أمرين معًا: (خروجها من البيت، وعدم تحريمها)، والتحريم في الصورة المذكورة يقع بمجرد خروجها، فيلزم الزوج لفظ الحرام، ولا يلزمه الطلاق الثلاث، سئل علّيش رحمه الله عمن قال: (عليّ الطلاق ثلاثا إن كلمتِ زيدا تكوني طالقًا) هل يلزمه -إن كلمت زيدا- الطلاق الثلاث، أم لا؟ فأجاب بقوله: “يَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ إنْ لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ؛ لأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ تَكُونِي طَالِقًا… وَتَقَدَّمَ لَنَا أَنَّ هَذَا مِنْ تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ، يَتَوَقَّفُ لُزُومُ الثَّلَاثِ فِيهِ عَلَى مَجْمُوعِ شَيْئَيْنِ: كَلَامِهَا زَيْدًا، وَعَدَمِ طَلَاقِهَا، وَهِيَ تَطْلُقُ بِمُجَرَّدِ الْكَلَامِ، فَلَمْ يُوجَدْ مَجْمُوعُ الشَّيْئَيْنِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ” [فتح العلي المالك: 2/42].
وعليه؛ فالذي يلزم السائل طلقة الحرام، وليس الثلاث، والطلاق بلفظ التحريم يقع بائنًا بينونةً صغرى على المختار، وهو رواية عن مالك رحمه الله [الجامع لأحكام القرآن: 18/180]، سُئل الموَّاق رحمه الله عمَّن قال لزوجته: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، ما يلزمه في ذلك؟ فَأجاب بقوله: “فَنَحْنُ نُفْتِي بِالْبَيْنُونَةِ بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا إِنْ كَانَ نَوَى الثَّلَاثَ” [المعيار المعرب: 4/244].
عليه؛ فقد صارت الزوجة أجنبية عن الزوج، ولا يحل له أن يُرجِعَها إلا بعقد جديد وصداقٍ وشاهدين، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عصام بن علي الخمري
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
03/جمادى الآخرة/1447هـ
2025/11/24م