طلب فتوى
التبرعاتالفتاوىالمعاملاتالوقف

حكم تولي المحبس نظارة الوقف

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رقم الفتوى (5279)

 

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

جاء في وثيقة تحبيس أن: “(ع ص ج) أوقف بتاريخ: 05/08/2022م العقار الكائن بمدينة غ بمحلة غ ن، المقام على أرض مساحتها 90 مترا مربعا، حدودها شمالا: ورثة ع، وجنوبا: ورثة ض وطريق ترابي، وشرقا: طريق غ ط الرئيسي، وغربا ورثة الفقيه ص، ويتكون العقار من طابقين الطابق الأرضي به محل وغرفة ودورة مياه وسلم للأدوار العليا وفسكية مياه، والطابق الأول يتكون من غرفتين وحمامين وصالة ومطبخ، وما ينشأ ويستحدث على المبنى من زيادة أو تطوير تجري عليه أحكام هذا الوقف، حبس وأوقف نصف العقار المذكور على طلبة حلقات تحفيظ القرآن الكريم والكتاتيب وما يتعلق بها خدمة لكتاب الله، وحبس وأوقف النصف الآخر على ذريته ويشمل أولاده ذكورا وإناثا وأولاد أولاده من بعدهم للذكر مثل حظ الأنثيين، على أن من مات من الطبقة الأولى فإن أبناءه يحلون محله ولو قبل انقضاء الطبقة، ولا ينقل هذا الحبس أو يستبدل ولا يتصرف فيه إلا إذا عدمت منفعته وشهد بهذا أهل الخبرة والاختصاص وصدق عليه القاضي ويتولى الواقف بنفسه نظارة الوقف حال حياته، وأهليته الشرعية والقانونية أو يوكل وكيلا حال انشغاله، وتكون النظارة من بعده في ذريته للأمين القوي العاقل صحيح الجسم الخالي من موانع الأهلية فإن تعذر ففي غيرهم”، فهل وثيقة التحبيس صحيحة بهذه الصياغة؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فالتحبيس من التبرعات المندوبة؛ لأنه من البر وفعل الخير، وهو المراد بالصدقة الجارية، التي ينتفع بها المتصدق بعد موته؛ لما جاء في حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إِذَا مَاتَ الإِنسَانُ انقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِن ثَلَاثٍ؛ إِلاَّ مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) [مسلم:1631]، وذكر بعض أهل العلم أنه من خصائص أهل الإسلام، قال الشافعي رحمه الله: “وَلَمْ يُحَبِّسْ ‌أَهْلُ ‌الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا عَلِمْتُهُ دَارًا وَلاَ أَرْضًا تَبَرًّرًا بِحَبْسِهَا، وَإِنَّمَا حَبَّسَ أَهْلُ الْإِسْلَامُ” [الأم: 4/ 54]، وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حبس، وحبس من الصحابة: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي، وطلحة، والزبير، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعمرو بن العاص رضي الله عنهم. [انظر المقدمات الممهدات: 2/417].

ولا يجوز للواقف اشتراط أن يكون هو الناظر، الذي يتولى رعاية الوقف وتوزيع غلته لصالح الموقوف عليهم؛ لأن الحوز شرط لتمام الوقف، واشتراط الواقف النظارة لنفسه لا يصح معه حوزٌ، فإن حصل مانع للمحبِّس كالموت والتفليس والجنون قبل الحوزِ بطلَ الوقف، وإن لم يحصل مانع أجبر المحبس على جعل النظارة لغيره، قال الدردير رحمه الله: “(أَوْ أَنَّ النَّظَرَ لَهُ) أَيْ لِلْوَاقِفِ فَيَبْطُلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْجِيرًا أَيْ وَحَصَلَ مَانِعٌ للْوَاقِفِ وَإِلَّا صَحَّ وَيُجْبَرُ عَلَى جَعْلِ النَّظَرِ لِغَيْرِهِ”[الشرح الكبير على مختصر خليل: 4/ 81]، وقال بناني رحمه الله: “لِأَنَّ شَرْطَ ‌النَّظَرِ ‌لَهُ لاَ يُبْطِلُ الْوَقْفَ خِلَافَ مَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَإِنَّمَا يَبْطُلُ الْحَوْزُ فَقَطْ، هَذَا الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَاسْتَظْهَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ مَانِعٌ أُخْرِجَ مِنْ يَدِ الْوَاقِفِ إِلَى يَدِ ثِقَةٍ وَإِنْ حَصَلَ مَانِعٌ قَبْلَ ذَلِكَ بَطَلَ الْوَقْفُ” [حاشية بناني على شرح الزرقاني: 7/144].

عليه؛ فيجب على المحبس أن يلغي فقرة توليه النظارة بنفسه من وثيقة التحبيس، ويعدل الوثيقة؛ بحيث يجعل النظارة لأحد أبنائه، أو من يراه أهلا لها من غيرهم؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك، ومات الواقف والنظارة له، فللورثة أن يبطلوا الحبس، ويرثوه من جملة التركة، وبقية الوثيقة صحيحٌ، ليس فيه مخالفة شرعية، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

لجنة الفتوى بدار الإفتاء:

عبد العالي بن امحمد الجمل

حسن بن سالم الشريف

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

08//صفر//1445هـ

24//08//2023م

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق